بعد نحو أسبوع من إعلان قوى الإطار التنسيقي موافقتها على ترشيح رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي رسمياً لتولّي منصب رئيس مجلس الوزراء العراقي، فوجئت الأوساط السياسية العراقية برفض واشنطن لشخصية المالكي ولأيّ حكومة مقرّبة من إيران، ما أربك قادة الشيعة ووضعهم في موقف وصفوه بالمُحرج وغير المتوافق مع معايير السياسة الدولية واحترم سيادة الدول.
وتلقّت قوى الإطار التنسيقي رسالة أميركية تحتوي على أسماء الشخصيات التي تفضّلها واشنطن ليتم ترشيحها بدلاً عن المالكي وهي: رئيس الوزراء العراقي السابق مصطفى الكاظمي، رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي، محافظ النجف سابقاً عدنان الزرفي.
وجاء في نص الرسالة: "كما أن اختيار رئيس الوزراء هو قرار عراقي سيادي، فإن واشنطن ستتخذ قراراتها السيادية بشأن الحكومة العراقية المقبلة وفقاً لمصلحتها".
ونشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 27 يناير، تغريده عبر منصة "تروث سوشيال" عبّر فيها عن رفضه لترشيح المالكي مُلّوحاً بوقف الدعم الأميركي للعراق في حال تم تنصيبه قائلاً: "أسمع أن الدولة العظيمة العراق قد تُقدم على خيار سيء للغاية بإعادة تنصيب المالكي رئيساً للوزراء، عندما كان في السلطة انحدرت البلاد إلى الفقر والفوضى ولا ينبغي السماح بحدوث ذلك مرة أخرى".
وتزامنت تغريدة ترامب مع تأجيل جلسة البرلمان العراقي لاختيار شخصية رئيس الجمهورية العراقية، وتكليف الكتلة الأكبر في البرلمان لإعلان شخصية رئيس الوزراء. بينما تناقلت وسائل إعلام عراقية أن المبعوث الأميركي للعراق توم برّاك أبلغ الزعيم الكردي مسعود بارزاني برفض واشنطن للمالكي وبضرورة تأجيل جلسة إعلان رئيس الجمهورية العراقية.
ما هو دور تيار الحكمة؟
وكشف مصدر خاص لمنصة "المشهد" أن بعض القوى داخل الإطار التنسيقي الرافضة لترشيح المالكي، كتيار الحكمة وكتلة صادقون، أبدت سخطها أمام بعض القادة الأميركيين لعودته للسلطة، إضافة إلى أن علاقة واشنطن بالمالكي تاريخياً ليست جيدة، حيث كانت تعوّل على رئيس الحكومة الحالي محمد شياع السوداني، إلا أن الصفقة التي أبرمها السوداني مع المالكي، وتنازله بموجبها عن ترشيح نفسه أدت إلى سقوطهما معاً، هذا ما يفسّر غياب اسم السوداني عن قائمة الأسماء التي رشحتها الولايات المتحدة في رسالتها.
وفي هذا السياق، يقول الخبير السياسي فاضل أبو رغيف، إن الولايات المتحدة الأميركية هي الراعية الرسيمة للعملية السياسية والاقتصادية والأمنية في العراق، لذلك على القوى السياسية العراقية أن تتماهى مع التوجيهات الأميركية ومع المناخات العامة للدول الإقليمة، كما أن العراق سيدفع الثمن باهظاً في حال إصرار القادة الشيعة على موقفهم بترشيح المالكي.
تغريدة ترامب مدفوعة الثمن؟
ويبدو أن الإطار التنسيقي ماضِ في موقفه، حيث وصف المالكي الموقف الأميركي بالتدخل السافر في الشأن العراقي، وأن اختيار رئيس الوزراء هو قرار سيادي داخلي لا يحق لأيّ طرف خارجي فرضه أو الاعتراض عليه. في حين تداولت مواقع التواصل الاجتماعي معلومات عن صفقة مالية تقدّر بـ50 مليون دولار ثمناً لتغريدة ترامب ضد المالكي، وأن المبالغ جرى تسليمها للمبعوث الأميركي مارك سافايا عبر مستثمر أميركي (ن -ع).
وعن ذلك، يقول قيادي من قوى الإطار التنسيقي فضّل عدم ذكر اسمه لمنصة "المشهد" إن كل الترسيبات التي رافقت تغريدة ترامب مدفوعة الثمن، وأن هناك دولًا إقليمة تدخلت في اللحظات الأخيرة قبل انعقاد جلسة اختيار رئيس الجمهورية الإثنين الماضي لتأجليها، يؤكد أن السياسة الأميركية غيّرت موقفها وأصبحت مرهونة بالمال السياسي والصفقات الفاسدة.
ويوضح المصدر، أن قوى الإطار التنسيقي ماضية في ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء ولن تتراجع، هنالك خطة واضحة لديها وهي ضمان أصوات الأخوة الكرد خلال جلسة البرلمان المقبلة، أي أن المالكي سيصل إلى كرسي الحكومة وفقاً للدستور العراقي وقانون الانتخابات، "نحن نعلم أن الزعيم الكردي مسعود بارزاني قائد عظيم يدرك أهمية دوره في رسم مستقبل العراق، لدينا ثقة أنه سيدعم ترشيح المالكي ووصوله إلى رئاسة الوزراء".
وتساءل المصدر، "لماذا تأخّرت تغريدة ترامب 10 أيام بعد إعلان اسم المالكي كمرشح عن الإطار التنسيقي؟ لماذا لم يعترض سفايا أو برّاك مباشرة؟ لماذا تزامنت تغريدة ترامب مع إعلان تأجيل جلسة إعلان رئيس الجمهورية العراقية؟ كلها أسئلة تدور حولها الكثير من إشارات الإستفهام"، مضيفاً: "الأخبار المزيفة انتشرت حول مباركة المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي لترشيح المالكي، إلا أنّ وكالة الأنباء الإيرانية نفت المباركة لنقول أنها استفزت ترامب! لكن هناك طبخة سياسية تم إعدادها أدت إلى هذه النتيجة".
وعن الشخصيات المرشحة من قبل الإدارة الأميركية، يجيب المصدر: "الإطار يرفض ترشيح أيّ من هذه الشخصيات، خصوصًا أنها ليست جزءاً منه، كما أن الكاظمي ليس عضواً في الإطار التنسيقي ولم يشارك في الانتخابات البرلمانية، أيضاً العبادي رغم وجود اسمه لكنه لم يشارك أيضاً، الآلية المتبعة أنه لا يمكن أن يتم ترشيح رئيس وزراء سابق كمرشح تسوية من دون أن يكون قد دخل الانتخابات وحصل على نتائج جيدة كمركز أول أو ثاني أو ثالث".
هل يتراجع الإطار التنسيقي عن ترشيح المالكي؟
وفي سياق متصل، يقول النائب في البرلمان العراقي محمد الزيادي لمنصة "المشهد"، إن "الرسالة الأميركية هي تدخل واضح في القرار الداخلي الاتحادي العراقي، من المفروض أن تُظهر واشنطن صداقتها بدلاً من فرض أوامرها على إدارة شرعية منتخبة من قبل الشعب العراقي، لكن نرى أن قادة الإطار التنسيقي يشعرون بالإحراج مابين قرارهم بترشيح المالكي والضغوط الأميركية في حال قررت عداء الحكومة المقبلة، هذه مشكلة كبيرة خصوصًا أن اقتصاد العراق مرتبط بواشنطن".
ويوضح الزيادي، أنه بعد تهديد أكبر قوة اقتصادية بالتوقف عن دعم العراق، لا يمكن ترشيح المالكي مجدداً، لكن في الوقت ذاته هذا لا يعني قبول قادة الإطار بالشخصيات التي طرحتها واشنطن سواء الكاظمي أو العبادي أو الزرفي، مضيفاً: "نقبل تحفّظ الولايات المتحدة على المالكي لكن لن نقبل أن تُملي علينا واشنطن من سيكون رئيس الوزراء المقبل، لأن ذلك يعني أنه لا يوجد أيّ جدوى من الانتخابات التي أجراها العراق العام الماضي".
هل سيدعم الكرد المالكي؟
ورغم أن العلاقة التاريخية بين الزعيم الكردي مسعود بارزاني والمالكي ليست بالجيدة، إلا أنه بارك لقوى الإطار التنسيقي ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء المقبلة، لكن بعد الرفض الأميركي توجهّت أنظار القادة الشيعة إلى الكتلة الكردية للحصول على دعمها خلال جلسة البرلمان المقبلة، عن ذلك يقول المحلل السياسي محمد زنكة لمنصة "المشهد": "إن الحزب الديمقراطي الكردستاني لم يصدر أيّ بيان حول ما جرى، عندما اتفق الإطار التنسيقي على شخصية المالكي، رحّب الرئيس مسعود بارزاني بذلك من منطلق أنّ من بدأ المأساة ينهيها، لأن المالكي كان سبباً في الكثير من المشاكل التي حصلت بين أربيل وبغداد، وهو فقط من يستطيع أن ينهيها لأنه صاحب القرار الأقوى داخل الإطار التنسيقي".
وعن موقف الحزب الديمقراطي الكردستاني من دعم المالكي، يجيب زنكنة، "نعتقد أن الإطار التنسيقي سيتريث قبل طرح اسم المالكي على مجلس النواب، سيكون للديمقراطي الكردستاني موقفه سواء قرروا ترشيح المالكي أو غيره، لكن من الواضح أن المسألة باتت أكبر من الديمقراطي الكردستاني ومن الإطار التنسيقي وحتى الدولة العراقية نفسها، القرار الآن هو للاعب الأميركي الذي أعلن صراحة رفضه لعودة المالكي".
ويختم حديثه قائلا: "على العراق أن يقرر إما التخلي عن المالكي أو مواجهة الغضب الأميركي، حيث إن المالكي شغل منصب رئيس الوزراء العراقي لفترتين متتاليتين (2006 – 2014) تخللها ظهور تنظيم "داعش" في العراق وتنامي النفوذ الإيراني، ما دفع واشنطن للضغط من أجل رحيله وعدم التجديد له لولاية ثالثة".
(المشهد)