من جديد يعود ملف ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط إلى واجهة التوترات الإقليمية، فبعد سنوات من رفض مجلس النواب الليبي التوقيع على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا، عاد مرة أخرى ليصوت بالإجماع على اعتمادها، وألغى في الوقت نفسه قرارين أصدرهما عام 2020، يتعلق الأول برفض المصادقة على مذكرتي التفاهم مع أنقرة، والثاني بقطع العلاقات السياسية معها.
ويبدو أن هذا التحوّل اللافت في الموقف الليبي يتجاوز حدود العلاقات بين أنقرة وطرابلس إلى حسابات الطاقة والحدود البحرية وموازين القوى الإقليمية، وتجلّى ذلك في الرفض المصري لمصادقة البرلمان الليبي على تلك المذكرة، بالإضافة إلى إعلان قبرص واليونان رفضهما لها، وتمسك أوروبي وإسرائيلي بموقف معارض للاتفاقية.
وعقب المصادقة الليبية على المذكرة سارعت مصر بالإعلان الرسمي عن رفضها القاطع لها، وأكدّت عبر بيان صادر عن وزارة الخارجية أنّ المذكرة باطلة بطلاناً مطلقاً، ومعدومة الأثر القانوني، موضحةً أن تصديق مجلس النواب عليها لا تترتب عليه أيّ آثار قانونية بالنسبة إلى مصر، ومضيفةً أنّ هذه المذكرة تخالف مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، المتعلقة بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، والتي تعتمد مبادئ العدل والإنصاف.
أسباب الرفض المصري
الخبير في الشأن الليبي وأستاذ العلوم السياسية الدكتور محمد خالد أوضح في تصريحات خاصة لمنصة "المشهد"، أن الاعتراض المصري على مذكرة التفاهم التي صادق عليها البرلمان الليبي والمتعلقة بترسيم الحدود البحرية مع تركيا، يرتبط بجملة من الأسباب أبرزها الآتي:
- حماية الحقوق البحرية المصرية: حيث إن الاتفاقية تمسّ حقوق مصر السيادية في المنطقة الاقتصادية والجرف القاري بالبحر المتوسط، وترفض أيّ ترتيبات تتعارض مع حدودها البحرية المعلنة وهذا هو السبب القانوني المباشر الذي أكدته الخارجية المصرية في بيانها.
- اعتبارات الأمن القومي والتوازن الإقليمي: فالاتفاقية وُقعت أصلًا عام 2019 في عهد حكومة الوفاق الليبية برئاسة فايز السراج، المدعومة آنذاك من تركيا، لذلك ارتبطت بالقاهرة مخاوف من توسيع النفوذ التركي في ليبيا وشرق المتوسط، في ظل الصراع الليبي آنذاك والتنافس على موارد الطاقة.
- الاعتراض على الأساس القانوني للاتفاقية: مصر تعتبر مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019 باطلة ولا تتفق مع مبادئ قانون البحار واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، خصوصاً قواعد ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري على أساس الإنصاف.
- منع فرض ترتيبات بحرية على حساب دول أخرى: تثير الاتفاقية نزاعًا إقليميًا أوسع، خصوصاً مع اليونان وقبرص بشأن حقوق الجزر والمناطق البحرية، وبالتالي مصر ترفض أن يؤدي اتفاق ثنائي بين ليبيا وتركيا إلى المساس بحقوقها أو إنشاء أمر واقع تتعارض آثاره مع حدودها البحرية.
لماذا تغير موقف شرق ليبيا؟
وكان مجلس النواب الليبي قد رفض هذه الاتفاقية في عام 2020، بل واتخذ قراراً بقطع العلاقات السياسية مع تركيا، قبل أن يتراجع في قراره ويعلن مصادقته عليها مؤخراً.
وحول هذا التراجع يقول خالد، أن معسكر الشرق الليبي يرى أن "الاتفاقية قد تمنح ليبيا ورقة تفاوضيّة في تحديد مناطقها البحرية وتفتح مجالاً لتعزيز التعاون الاقتصادي واستكشاف موارد الطاقة، بالإضافة إلى أن تركيا تريد توسيع علاقتها مع معسكر الشرق كما هو الحال في معسكر الغرب"، موضحاً أن "تركيا تريد البحث عن شريك عسكري وسياسي جديد، لأن معسكر حفتر يسعى إلى تثبيت نفوذه في شرق ليبيا وتركيا تمتلك حضورًا، لذلك فإن التقارب معها قد يمنح الشرق مزايا أمنية وسياسية ويزيد فرصه في التأثير في أيّ تسوية مستقبليّة بين القوى الليبية المتنافسة".
ولفت إلى أن "الجانب الليبي بقيادة حفتر يريد توسيع العلاقات مع الجانب التركي"، خصوصًا بعد فترة خصومة استمرت لسنوات طوال، وبالتالي هذا التقارب الجديد قد يعطى قوة للجانب الليبي في شرق ليبيا.
وفي الوقت الذي عدَّت فيه أنقرة، مصادقة مجلس النواب الليبي بالإجماع على مذكرة التفاهم بشأن تحديد مناطق الصلاحية البحرية، بأنه يمثل تأكيداً لأحقيتها التاريخية والقانونية في شرق البحر المتوسط، فيرى المختص في الشأن الليبي أن هذه الاتفاقية قد تعمل على إثارة النزاعات في شرق المتوسط، خصوصاً مع دول مثل قبرص واليونان، واسترجاع الأزمات السابقة بينهم وبين تركيا، وهو ما يتطلب جهوداً دبلوماسية لتلاشي هذه المشكلات التي تم حلها في السابق.
وبيّن أن "الاتفاق الثنائي بين تركيا وليبيا لا يلزم اليونان أو مصر أو قبرص تلقائياً، ولا يستطيع وحده حسم مطالبات هذه الدول، ولهذا يبقى شرق المتوسط أمام خرائط ومطالبات بحرية متعارضة لم تُسوَّ بعد باتفاق شامل أو بحكم قضائي دولي ملزم لجميع الأطراف"، موضحاً في الوقت نفسه أن "الاتفاق يمنح دعماً سياسياً أوسع داخل ليبيا، بالتزامن مع توسع التعاون مع تركيا في استكشاف موارد المتوسط".
خيارات مصر للرد على الاتفاقية
وفيما يتعلق بكيفية تعامل مصر في حال إصرار الجانبين التركي والليبي على المضي قدماً في تنفيذ هذه الاتفاقية، أوضح الدبلوماسي المصري السفير عبد الله الأشعل الذي كان يشغل منصب مساعد وزير الخارجية المصري لمنصة "المشهد"، أن بلاده تملك عددًا من الخيارات في هذا الصدد، وذكر أن من أبرزها الآتي:
- تفعيل الاتصالات المصرية مع الشرق الليبي باعتبار أن القاهرة تملك حضوراً سياسياً قوياً في هذه المنطقة.
- اللجوء إلى الأمم المتحدة والتقدم بشكوى رسمية من أجل طلب تعطيل هذه الاتفاقية.
- التواصل مع الحكومة في غرب ليبيا لإبطاء الاتفاقية خصوصاً في ظل التقارب الذي حدث مؤخراً مع السلطات المصرية.
- الاستعانة بجامعة الدول العربية وطلب عقد اجتماع لتدارس الموقف المصري الذي من خلاله سيتم في مجلس الأمن والأمم المتحدة.
وتأتي مصادقة البرلماني الليبي على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا، في ظل تحسن ملحوظ يخيم على علاقات الأخيرة مع مصر بعد سنوات من الجفاف، وهو ما طرح تساؤلات بشأن مستقبل هذه العلاقات على خلفيّة توقيع أنقرة على تلك الاتفاقية.
وفي هذا الصدد استبعد الأشعل حدوث أيّ تأثير أو توتر في علاقة بلاده مع تركيا نتيجة اعتراض القاهرة على الاتفاقية، خصوصاً في ظل وجود تفاهمات وتوافق الرؤي بين البلدين بشأن العديد من الملفات داخل المنطقة، ومع وجود علاقات دبلوماسية وعسكرية واقتصادية متينة بينهما، وبالتالي فإن رفض الاتفاقية من قبل الجانب المصري لا ينبغي أن يُفهم باعتباره اتجاهاً إلى أزمة في العلاقات مع الجانب التركي.
وثمّن في الوقت نفسه قوة العلاقات المصرية التركية التي تنامت بشكل متصاعد خلال الفترة الماضية، والتي تأسست على أساس المصالح المشتركة والفوائد المتبادلة بين الجانبين، مشيراً إلى "أنه يمكن للتقارب بين القاهرة وأنقرة أن يقود لإدارة هادئة للخلاف حول هذا الملف للتوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف".
(المشهد)
