عقل طهران التفاوضي.. عراقجي في اختبار المواجهة مع واشنطن

شاركنا:
عراقجي يرى أن التفاوض كلعبة الشطرنج ونوع من الفن (رويترز)
هايلايت
  • ترامب يرى أن التفاوض جزء من لعبة المصارعة الحرة.
  • محللون: على الجانبين تقديم تنازلات للوصول إلى اتفاق في النهاية.
  • عراقجي يدخل المفاوضات محمّلًا بخبرة عمرها 15 عامًا.

تخوض إيران جولة مفاوضات جديدة مع الولايات المتحدة، على أمل نزع فتيل التوتر في منطقة الشرق الأوسط وتجنب مواجهات عسكرية، بعد أن لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستخدام القوة العسكرية لإجبار إيران على الاستجابة لمطالبه.

وقالت صحيفة "غارديان": "إذا أرادت الولايات المتحدة وإيران تجنب حرب إقليمية، فعليهما البدء بتقديم تنازلات خلال محادثات جنيف يوم الثلاثاء، ومراعاة اختلاف أساليب التفاوض بينهما".

المصارعة الحرة في مواجهة الشطرنج

وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي، الذي خاض غمار المفاوضات النووية الإيرانية على مدى 15 عامًا تقريبًا، دبلوماسي مخضرم، ألّف كتابًا عن فن التفاوض يكشف أسرار الدبلوماسية الإيرانية، من مراوغات وصبر وهدوء.

يحمل عراقجي شهادة بكالوريوس من كلية العلاقات الدولية في إيران، وشهادة ماجستير في العلوم السياسية من جامعة آزاد الإسلامية، ودكتوراه في الفكر السياسي من جامعة كنِت في المملكة المتحدة.

في المقابل، درس المبعوث الخاص لدونالد ترامب ستيف ويتكوف، القانون في جامعة هوفسترا، الواقعة في لونغ آيلاند قرب نيويورك، قبل أن يجمع ثروته في مجال التطوير العقاري.

بينما يُرجّح أن يكون عراقجي، الذي يُعتبر شخصية توافقية في السياسة الإيرانية أكثر من سلفه الشهير جواد ظريف، قد وضع خطة مُحكمة لما يمكن أن تقدمه إيران من خلال مشاورات مطولة مع مختلف أطياف الحكومة، بما في ذلك المرشد الإيراني علي خامنئي، فإنّ ويتكوف يعمل وفق توجيهات متغيرة وضعها رجل واحد، وفق "غارديان".

ينظر ترامب إلى الدبلوماسية كفرع من فروع المصارعة الحرة. أما وزارة الخارجية الإيرانية فتعتبرها فرعًا من فروع الشطرنج، بل تكاد تكون فنًا، وفق الصحيفة.

كيف يفكر عراقجي

يشير عراقجي في كتابه، إلى أنّ "المبدأ الأساسي للمساومة هو الممارسة: التكرار، التكرار، والتكرار، إلى جانب الثبات والمثابرة. إنّ الإصرار على المواقف وتكرار المطالب ضرورة لا بد منها في كل مرة بخطاب ومنطق مختلفين".

ينحدر عراقجي من عائلة تجارية، إذ كان جده تاجر سجاد، ويرى أنّ الدبلوماسية الإيرانية تعكس أسواق البلاد.

يُعرف أسلوب التفاوض الإيراني عالميًا بـ"أسلوب السوق"، أي المساومة المستمرة والدؤوبة. يتطلب هذا الأسلوب الكثير من الوقت والجهد، ومن يملّ ويتعب سريعًا سيخسر.

من الناحية النظرية، يجادل في كتابه، الذي نشره عام 2014 بعد انتهاء ولايته، بأنّ قوة المفاوض الحقيقية تكمن في مستوى التماسك الوطني في الداخل وقوة الجيش.

إذا لم يكن هناك على الأقل توازن في القوى مع الخصم، فمن الأفضل رفض المحادثات حتى يتحقق التوازن، وهو ما فعلته إيران بعد قصف مواقعها النووية في يونيو من العام الماضي، بحسب غارديان.

يكشف عراقجي، الذي أجرى 6 جولات من المحادثات المباشرة وغير المباشرة على مرحلتين مع ويتكوف، عن أهمية الحفاظ على الغموض.

يقول، "وجه الدبلوماسي الماهر غامض، ومن المستحيل قراءة أيّ انفعال منه. إنّ القدرة على التحكم في تعابير الوجه ليست بالأمر الهين، وتتطلب عملًا وممارسةً مستمرين".

ويؤكد أنّ توفير مخرجٍ لائقٍ للخصم، جزءٌ لا يتجزأ من الدبلوماسية، ويصف ذلك بتوفير "الجسر الذهبي"، وهو مصطلح استقاه من الصين.

ويشير هذا إلى أنه إذا وافق ترامب في نهاية المطاف على نسخة من الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 الذي انسحب منه عام 2018، فلن يكون عراقجي منتصرًا. يكتب: "الدبلوماسية ليست لعبةً يجب الفوز بها بالضرورة، بل هي عمليةٌ يجب فيها فهم الطرف الآخر".

هل الاتفاق مع واشنطن ممكن؟

حول شخصية عراقجي، قالت إيلي جيرانمايه من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: "يُعتبر عراقجي أكثر تكنوقراطية وحذرًا في الحفاظ على التوازن الدقيق اللازم للبقاء في السلطة. أما ظريف فكان أكثر ميلًا للسياسة وأكثر صراحة، وكان مستعدًا لاختبار حدود ما يمكن للنظام قبوله".

وتتوقع جيرانمايه أن تُطالب الولايات المتحدة بوضوح بتخفيف أو إزالة مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، لكنّ مثل هذه الخطوة التي لا رجعة فيها من جانب إيران ستتطلب خطوات مماثلة لا رجعة فيها من جانب الولايات المتحدة، مثل الإفراج عن العديد من الأصول الإيرانية الضخمة المجمدة في الخارج.

يُمكن التوصل إلى حل وسط بشأن تخصيب اليورانيوم، انطلاقًا من أنّ قصف مواقعها النووية يجعل التخصيب مستحيلًا لمدة تتراوح بين 3 و5 سنوات. إلا أنّ ذلك يتطلب عودة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لزيارة المواقع التي تعرضت للقصف، وهي مسألة كانت على الأرجح محور المحادثات التي جرت يوم الاثنين بين عراقجي ورافائيل غروسي، المدير العام للوكالة.

وفي ما يتعلق بالجوانب النووية للاتفاق، تقول جيرانمايه: "في هذا العالم الذي يُهيمن عليه ترامب، لا تتوقع أن تُدوّن كل اتفاقية على الورق. قد تكون هناك سلسلة من التفاهمات غير القابلة للتحقق، بما في ذلك معاهدة عدم اعتداء بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها.

من جانبه، قال أستاذ التاريخ الحديث علي أنصاري، إنّ إيران قد تُقدّم تنازلات "للحفاظ على استمرار المفاوضات، لكنّ ترامب ليس في عجلة من أمره في الوقت الراهن على أيّ حال".

(ترجمات)