تتزايد مخاوف النظام الإيراني من اتساع رقعة الاحتجاجات الداخلية بفعل تفاقم الأزمة الاقتصادية وتآكل القدرة الشرائية وكذلك تصاعد الضغوط العسكرية، وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، الأمر الذي يدفع نظام "الولي الفقيه" إلى توسيع تعبئة أنصاره وتسليح مجموعات موالية له في الأحياء والمدن، بما يعكس القلق من انفجار اجتماعي يهدد تماسك السلطة.
أعمال تخريبية
وكانت وزارة الاستخبارات الإيرانية قد زعمت الثلاثاء، ضبط شحنة أسلحة قالت إنها هُرّبت من إقليم كردستان العراق إلى إيران، بهدف تنفيذ "أعمال تخريبية" و"عمليات إرهابية"، الأمر الذي تزامن مع هجوم "الحرس الثوري" بضربات صاروخية أحد الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضية في أربيل.
وفي حديثه لمنصة "المشهد" قال المعارض الإيراني موسى أفشار إن توسيع نظام الملالي شبكات التعبئة الشعبية وتدريب وتسليح عناصر موالية له في الأحياء والمدن لا ينبغي تفسيره فقط باعتباره استعدادًا لاحتمال مواجهة برية مع الولايات المتحدة، بل يجب قراءته أيضًا في ضوء الخوف المتزايد من تجدد الاحتجاجات واتساع المواجهة الداخلية.
وأضاف أفشار أن السلطات أطلقت خلال الأشهر الأخيرة حملة تعبئة واسعة تحت اسم "جان فدا" وهي تعني "التضحية" مرتبطة بقوات "الباسيج" التابعة لـ"الحرس الثوري"، بينما شملت، وفق تصريحات رسمية، تسجيل مئات الآلاف وتنظيمهم في وحدات محلية وتدريبهم على مهام أمنية ودفاعية. وقد وصفت تقارير مستقلة الحملة بأنها محاولة لبناء احتياط بشري يمكن استخدامه في ظروف الحرب وكذلك في مواجهة اضطرابات داخلية واسعة.
انتفاضة شعبية
وقال أفشار: "إذا كان الهدف الوحيد هو الاستعداد لحرب برية مع الولايات المتحدة، فإن توزيع الأسلحة الخفيفة وتنظيم عناصر موالية في الأحياء والشوارع لا يحل المعضلة العسكرية للنظام أمام جيش نظامي يمتلك تفوقًا جوياً وتقنياً هائلًا. لكن هذه الأدوات تصبح أكثر قابلية للاستخدام عندما يكون السيناريو هو السيطرة على الشوارع ومواجهة انتفاضة شعبية".
وأشار إلى أن النظام لديه تجربة طويلة في استخدام "الباسيج" والقوات شبه العسكرية في قمع الاحتجاجات. وقد وثقت منظمة العفو الدولية استخدام عناصر "الباسيج" و"الحرس"، بما في ذلك وحدات مسلحة، في تفريق الاحتجاجات، كما تحدثت عن أوامر وخطط عملياتية شملت تخصيص أسلحة وتعليمات باستخدام "القوة المميتة".
وأضاف أن صورًا ومقاطع مصورة، خلال الأشهر الأخيرة، أظهرت انتشار مؤيدين مسلحين للنظام في الشوارع، كما شهدت فعاليات مرتبطة بـ"الحرس" في أصفهان ظهور مشاركين يحملون أسلحة بيضاء، وهو ما أعاد النقاش حول الدور الذي يمكن أن تؤديه المجموعات الميلشياوية غير النظامية الموالية للسلطة إذا اندلعت احتجاجات واسعة.
وأوضح المعارض الإيراني أن هذه التحركات تأتي بالتزامن مع تصاعد صراعات الأجنحة داخل النظام حول سؤال الحرب والتفاوض. فبينما يدفع جناح نحو استمرار المواجهة الخارجية، يرى جناح آخر أن استمرار الحرب والعقوبات يمكن أن يفاقم الأزمة الاقتصادية ويزيد احتمالات الانفجار الاجتماعي.
حرب أهلية
وأشار أفشار إلى أن السلطات الإيرانية نفسها كثفت، خلال الأسابيع الماضية، التحذيرات من الاحتجاجات وأعلنت اعتقالات قالت إنها استهدفت شبكات تستعد لتحركات شعبية، في حين توسع الباسيج في تشكيل ما تسميه وحدات "المقاومة الوطنية" على مستوى الأحياء. إن أحد الأهداف المرجحة لهذه التعبئة هو ردع الاحتجاجات المحتملة وتعزيز قدرة قوات الأمن على الانتشار السريع في المدن.
وأضاف: "هنا يجب التمييز بين حرب أهلية وانتفاضة شعبية. لا أرجح أن إيران ذاهبة، حتمًا، إلى حرب أهلية، لكن من الواضح أن النظام يتعامل مع احتمال اندلاع حركة احتجاجية واسعة باعتباره تهديدًا أمنيًا من الدرجة الأولى، ويهيئ أدواته لمواجهتها".
وختم موسى أفشار بالقول: "النظام يتحدث كثيرًا عن خطر أميركا، لكنه عندما يسلّح وينظم عناصره في الأحياء، فإن جزءًا مهمًا من نظره يبقى موجّهًا إلى الداخل. هاجسه الحقيقي هو اليوم الذي تتحول فيه الأزمة الاقتصادية والغضب الاجتماعي إلى انتفاضة واسعة لا تستطيع أجهزته التقليدية وحدها احتواءها".
تحديات عسكرية
ومن جهته، أو ضح الباحث والمحلل الاقتصادي المختص في الشؤون الإيرانية علي رضا صداقت، أن الحديث المتزايد عن استعداد النظام الحاكم في إيران لمواجهة اضطرابات داخلية لا يمكن فصله عن التدهور الحاد في الأوضاع المعيشية؛ إذ إن الضغوط الاقتصادية باتت تشمل قطاعات واسعة من العمال والمتقاعدين والموظفين وأصحاب الدخول الثابتة.
وأضاف صداقت، في تصريح لـ"المشهد"، أن الحرب والتوترات الإقليمية لا تشكل فقط تحديًا عسكريًا للنظام، بل تضاعف كذلك الضغوط على الاقتصاد، من خلال ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع قيمة العملة، وتآكل القوة الشرائية، وزيادة العبء على الموازنة العامة.
وأوضح أن "أخطر ما يواجه النظام ليس رقم التضخم بحد ذاته، بل تحوله إلى غضب اجتماعي. عندما يعجز العامل أو المتقاعد عن تأمين السكن والغذاء والعلاج، ثم يرى في الوقت نفسه استمرار الإنفاق على الأجهزة الأمنية والعسكرية، يصبح السؤال الاقتصادي سؤالًا سياسيًا".
وأشار إلى أن احتجاجات المتقاعدين التي شهدتها طهران وكرمانشاه وأصفهان ورشت وشوش والأهواز في 18 أكتوبر بدأت بمطالب تتعلق بالمعاشات والغلاء والرعاية الصحية، لكنها شهدت أيضًا شعارات مثل "عدونا هنا، ويكذبون ويقولون أميركا" و"الغلاء والاختلاس، هذا هو اقتصادكم".
أولويات السلطة
وقال صداقت إن هذه "الشعارات مهمة لأنها تكشف انتقال جزء من الغضب من المطالبة بتحسين الدخل إلى مساءلة طريقة إدارة الموارد وأولويات السلطة."
وأضاف: "إذا كان النظام ينظم عناصر موالية له داخل الأحياء ويوسع الهياكل شبه العسكرية، فإن العامل الاقتصادي يساعدنا على فهم السبب. فهذه ليست فقط استعدادات لاحتمال حرب خارجية؛ هناك أيضًا خوف واضح من لحظة قد تتحول فيها الأزمة المعيشية إلى احتجاج واسع".
وأشار إلى أن التوتر الحالي بين أجنحة النظام حول الحرب أو التفاوض يعكس بدوره هذا القلق؛ فاستمرار المواجهة الخارجية يفاقم الضغوط الاقتصادية، بينما لا يضمن التفاوض معالجة المشكلات البنيوية التي تراكمت داخل الاقتصاد.
وختم صداقت بالقول: "الخطر الداخلي على النظام يبدأ من الاقتصاد قبل أن يصل إلى الشارع. وعندما تتزامن أزمة الأجور والتضخم والفساد مع اتساع الاحتجاجات، فإن تجهيز أدوات السيطرة الداخلية يصبح بالنسبة إلى السلطة جزءًا من استراتيجية البقاء، لا مجرد استعداد لحرب خارجية".
مخاوف النظام
إذًا، تبدو الضغوط الاقتصادية المفروضة على إيران قد بدأت تلقي بظلالها بصورة متزايدة على الأوضاع المعيشية للطبقات الشعبية، ما يثير مخاوف النظام من اندلاع موجة احتجاجات داخلية غاضبة، قد تتفاقم تداعياتها في ظل الضربات العسكرية التي تلقاها والضغوط الاقتصادية المتواصلة، حسبما يوضح الباحث والمحلل السياسي المقيم في واشنطن زياد سنكري.
ويقول في تصريحات لمنصة "المشهد"، إن النظام الإيراني يخشى أن تؤدي هذه الضغوط المتراكمة إلى إضعاف قبضته الأمنية على الداخل، مضيفًا أن طهران تنطلق من اعتبار أن جميع الوسائل مشروعة للدفاع عن استمرارية "الثورة" بمفهوها التلفيقي والانتهازي والذي يعمد إلى تطويق المنطقة بميلشياتها لتحقيق مصالحها الجيوسياسية، فضلًا عن تسيّد "الحرس" والقوى الراديكالية العسكريتارية الحكم، الأمر الذي يفسر توجهها إلى "عسكرة" و"أمننة" الوضع الداخلي في خطوة استباقية تعكس قلقها من احتمال خروج الأوضاع الداخلية عن السيطرة، ووصولها إلى مرحلة من الاقتتال الداخلي.
وأشار سنكري إلى أن النظام الإيراني ينظر إلى الورقة الكردية باعتبارها إحدى نقاط الضعف التي يمكن استغلالها لزعزعة استقراره، خصوصًا في ضوء إقرار الرئيس الأميركي بتزويد المعارضة الكردية بالسلاح، في إطار مساعٍ لدعم تحركات من الداخل الإيراني تستهدف إسقاط النظام.
واعتبر الباحث والمحلل السياسي المقيم في واشنطن أن مصدر القلق الأكبر لدى طهران يتمثل في حالة الغموض المحيطة بالخطوة الأميركية المقبلة، واحتمال شن ضربات عسكرية جديدة على إيران بالتزامن مع تحركات ميدانية من الداخل، قد تحظى بدعم لوجستي أميركي وإسرائيلي، بما يفتح الباب أمام تصعيد يهدد تماسك النظام وقدرته على السيطرة على الأوضاع الداخلية.
(المشهد)
