في غرفة متواضعة بمدينة السويداء جنوب سوريا، يجلس العقيد طارق الشوفي حاملاً بين طيات وجهه المرهق تاريخاً من انصهار الشخصية المدنية بمعالم البندقية ورائحة البارود. يتحدث بحذر بلغة دبلوماسية، يراقب خريطة سوريا المعلّقة على الجدار خلفه يتصدّرها العلم خماسي الألوان، ليُشير إلى محافظة السويداء حيث يُحاول الحفاظ على الهوية والوحدة.
الشوفي هو قائد عسكري ابن الطائفة الدرزية الذي بقي ممسكاً لسلاحه بعد أن أدرك أن "الظروف اليوم هي الأخطر". رجل يجمع بين صلابة الجندي ودهشة المثقف، يرفض أن يكون "رقماً في معادلة يصيغها الآخرون"، ويصرّ على الحديث عن "سوريا التي تموت كل يوم تحت وطأة التهميش".
في وثائقي "خيوط القصة - سوريا ما بعد الأسد"، حظينا بحوار مع قائد المجلس العسكري في السويداء العقيد طارق الشوفي حول الوضع في سوريا بشكل عام والدروز بشكل خاص، إضافة إلى اتهامات العمالة والعلاقة مع إسرائيل.
Watch on YouTube
لماذا ثار الدروز؟
يستهل الشوفي حديثه إلى "المشهد" بالقول "الدروز في عهد الأسد عانوا التهميش المُمنهج"، يصف كيف تحوّلت السويداء آنذاك إلى سجن مفتوح. صوته يقلب إلى نبرة حادة وهو يصف كيف حوّل الأسد المحافظة إلى "مُستودع بشري" بلا تنمية، وكيف تمّ إقصاء كل صوت مُختلف، ويروي كيف هُجّر شباب السويداء إلى الخارج بحثاً عن حياة كريمة.
لكن، وكأن قدر الدروز الهجرة والرحيل. فالغربة الدرزية تتكرر بعد معلومات عن نزوح أعداد كبيرة من الرجال والشبان بشكل خاص من مدن جرمانا وصحنايا في ريف دمشق على خلفية الأحداث الأخيرة التي شهدتها المناطق الدرزية في محيط العاصمة السورية ومحافظة السويداء جنوباً قبل شهرين.
محاولات اللجوء إلى لبنان خوفاً من الأعمال الانتقامية، دفعت بالسلطات اللبنانية إلى السماح للدروز بدخول أراضيها والإقامة فيها لمدة شهر، حيث تم إيواؤهم في منازل تم تخصيصها ضمن المناطق اللبنانية المعروفة بالكثافة السكانية الدرزية في جبل لبنان.
مصادر خاصة أكدت لـ"المشهد" أن المشيخة الدرزية في لبنان نسقت مع الأهالي لإيواء الوافدين، بينما بدأ سياسيون دروز لبنانيون حملة ضغط على بيروت لتسهيل الإقامة.
أحداث جرمانا
اندلعت الأحداث الأخيرة بعد تسريب صوتي مجهول المصدر أساء للنبي محمد، ما أشعل مواجهات دامية بين فصائل موالية للحكومة ومجموعات درزية مسلحة في صحنايا وجرمانا، بادرت للرد، واستمرت الاشتباكات قرابة 48 ساعة، قبل أن يتدخل وسطاء لفرض وقف إطلاق النار.
لكن بعد اتّفاق وقف إطلاق النار وقعت مجازر صادمة، وثّقها ناشطون حقوقيون.
يقول ناشط درزي من صحنايا لـ"المشهد": "بعد وقف النار، داهمت قوات أمنية وبعض المجموعات التابعة لها منازل في المنطقة، وتمت تصفية أكثر من 70 شاباً درزياً، غالبيتهم لم يكونوا يحملون السلاح. ما فجّر موجة الهجرة والنزوح الدرزي".
بين الثورة السورية وضربات إسرائيل
يقلب الشوفي أوراقا قديمة وخرائط ليرفع رأسه عنها قائلاً "سقط النظام لأنّه بنى نفسه على أكاذيب.. الثورة كشفت هشاشته، وإسرائيل أنهكت ظهره".
يشرح أن الحرب على "حزب الله" - الداعم الرئيسي للنظام - كانت الضربة القاضية "فلم تعد إيران قادرة على إنقاذه.. لقد خسر ظهيره الإستراتيجي". ويؤكد:
- مطالبنا بسيطة: دولة ديمقراطية لا مركزية.. لا نريد أن نحكم أحداً، ولا نسمح لأحد أن يحكمنا بقوة السلاح.
ويرفض الشوفي الانضمام إلى الجيش السوري الجديد، الذي يتّهمه بالانتماء إلى "لون واحد". يقول الشوفي "نحن ضدّ وجود الأجانب في الجيش السوري"، مطالباً باستبعاد العناصر الأجنبية التي تم إلحاقها بالجيش، وتسليم بعضها مناصب رفيعة وحساسة في المفاصل الأمنية والعسكرية.
مطالب الشوفي هذه تتلاقى مع مطالب "قسد" الرافضة لوجود المقاتلين الأجانب في المفاصل السياسية والعسكرية للدولة السورية الناشئة. كما يطالب الشوفي بإلغاء فكرة "الأكثرية والأقلية"، شارحاً أن المشكلة ليست في التنوع، وإنما في من يستخدمه كسلاح للتقسيم والهيمنة.
في هذا السياق، يبرز صوت شيخ عقل الطائفة الدرزية الشيخ حكمت الهجري الذي طالب بـ"تدخل دولي عاجل" خلال أحداث صحنايا، محذراً من "سيناريو إبادة" بحق الدروز. وفي بيانه الصحفي، أكد الهجري أن "الدروز شركاء في بناء سوريا جديدة وليسوا دعاة انفصال"، مشيراً إلى أن "اليد الممدودة من الدروز قوبلت بالرصاص".
الدروز واتهامات العمالة
ودخلت إسرائيل على خط الصدام بين دمشق والدروز عبر غارات جوية زعمت أنها تستهدف "متطرفين يهددون الدروز". هذا التدخل يأتي في إطار إستراتيجية إسرائيلية جديدة، كشفتها تصريحات شيخ عقل الدروز في إسرائيل موفق طريف الذي وعد بـ"حماية إخوته في سوريا".
عند سؤاله عن اتهامات له من قبل مؤيدي السلطة الجديدة، وحتى بعض الدروز بالعمالة، يضحك الشوفي، ويردّ قائلا "إذا كانت المطالبة بحقوق شعبنا عمالة، فنحن نفتخر بذلك". ثم يهزّ رأسه موضّحاً "أن هؤلاء يعرفون أننا لسنا عملاء.. نحن نرفض الخنوع والتهميش".
لكن، كل ما سبق يمكن أن يتغيّر بعد التقارير الإسرائيلية الأخيرة التي تحدّثت عن قرب إتمام صفقة للسلام بين دمشق وتل أبيب برعاية أميركية قد تؤدي إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي التي دخلتها بعد سقوط نظام الأسد.
يخفض الشوفي صوته ليقرّ بحقيقة الوضع العسكري في المحافظة "نحن منقسمون بين مؤيد للنظام ومعارض.. لكن الدم الذي يجري في عروقنا واحد". ويضيف: "الخلاف سياسي، لكننا لن نسمح بتقسيمنا".
ويختتم القائد العسكري الدرزي حديثه لـ"المشهد" قائلا: "إذا استمر الوضع هكذا، فنحن أمام أيام عصيبة".
(المشهد)