حلم بعيد المنال، أو خيال، عبارتين يتم تداولها كلما ظهرت فكرة إنشاء جيش أوروبي.
وزير الخارجية الإيطالية أنطونيو تاجاني قام بإحياء الفكرة مجددً،ا خلال مقابلة مع صحيفة "لا ستامبا" الإيطالية في يناير، عندما قال، "إذا أردنا أن نكون قوة لحفظ السلام في العالم، فنحن بحاجة إلى جيش أوروبي. هذا شرط أساسيّ مسبّق لوجود سياسة خارجية أوروبية فاعلة".
لكنّ صحيفة "نيووزيك" الأميركية وصفت الفكرة "بالمعقّدة"، حيث لا يوجد تناغم حتى في المصطلحات، فهل ستكون هذه قوة أوروبية، أم إنها قوة مفتوحة فقط لأعضاء الاتحاد الأوروبي؟ هل سيكون جيشًا كامل القدرات؟
وقال المسؤول السابق في حلف شمال الأطلسي إدوارد هانتر كريستي لمجلة نيوزويك، "لم يقترب الأمر أبدًا من أيّ شيء حقيقي".
لكنّ تعليقات الرئيس السابق دونالد ترامب، المرشح الأوفر حظًا لترشيح الحزب الجمهوريّ للرئاسة، تغذي النار. في حديثه خلال تجمّع حاشد في كارولينا الجنوبية في فبراير، أشار ترامب إلى أنّ الولايات المتحدة لن تحمي أعضاء الناتو المتخلفين عن الإنفاق الدفاعي.
وقال ترامب إنه في الواقع "سيشجع" روسيا على ضرب شركاء الولايات المتحدة.
وأثارت هذه الكلمات قلق حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيّين. ببضع جمل فقط، قوّض الزعيم الأميركيّ المحتمل في المستقبل، المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، التي تشكل الحجر الأساس للحلف.
إذا تراجعت الدولة المهيمنة في حلف شمال الأطلسيّ عن التزامها بالدفاع عن أيّ دولة في الحلف بكل قوتها، فإنّ أوروبا تحتاج إلى وسيلة لحماية نفسها، وقد تحتاج إليها قريبًا.
وقال كريستي لمجلة نيوزويك: "إنها طلقة تحذيرية أكثر شدة مما حصلنا عليه منذ فترة طويلة".
ومع ذلك، فمن دون الانهيار الدراماتيكيّ لمصداقية حلف شمال الأطلسي، أو موت الحلف، فإنّ فرصة ظهور جيش أوروبيّ رسميّ ضئيلة. لا يوجد أيّ حافز، ودول الناتو الأوروبية حريصة على نطاق واسع على إبقاء الولايات المتحدة مرتبطة بالدفاع القارّي قدر الإمكان. وإذا استمر حلف شمال الأطلسيّ في أداء وظيفته، فإنّ جيشًا أوروبيًا جديدًا قد يضرّ بالحلف أو يقوّضه.
لكن في المقلب الآخر، هناك متفائلون بإمكانية التعايش بين حلف شمال الأطلسي وقوة عسكرية أوروبية في وئام. وقال كيرت فولكر، سفير الولايات المتحدة السابق لدى حلف شمال الأطلسي، لمجلة نيوزويك، إنّ واشنطن تضغط على الدول الأوروبية للاستثمار في القدرات الدفاعية منذ عقود، وسوف يسرّها قيام أوروبا ببناء مخزونها الخاص مما توفره الولايات المتحدة حاليًا للقارة.
وأضاف أنّ الناتو والجيش الأوروبيّ "يمكنهما العمل لتحقيق الهدف نفسه، ويجب أن يعملا من أجل ذلك".
وقال الاتحاد الأوروبيّ إنّ "الاتحاد الأوروبيّ الأقوى والأكثر قدرة في مجالَي الأمن والدفاع، سيُسهم بشكل إيجابيّ في الأمن العالميّ وعبر الأطلسي، وسيكون مكمّلًا لحلف شمال الأطلسي الذي يظل أساس الدفاع الجماعيّ لأعضائه".
كيف سيكون شكل الجيش الأوروبي؟
وقال ويليام فرير، الباحث في المملكة المتحدة: "إنّ تحديد الشكل الذي سيكون عليه الجيش الأوروبيّ وكيف سيبدو، هو العقبة الأولى في التحرك نحو جيش أوروبيّ فعال، وهي عقبة يصعب تجاوزها".
وقال ديفيد بتريوس، الجنرال المتقاعد بالجيش الأميركيّ والمدير السابق لوكالة المخابرات المركزية الأميركية، لمجلة نيوزويك: "تبدو النظرية رائعة، إلا أنّ النظرية تصطدم دائما بصخور الواقع".
لدى الاتحاد الأوروبيّ مجموعات قتالية، أو وحدات تتألف من نحو 1500 فرد من دول مختلفة، ولم يتم نشرها إلّا بموجب قرار بالإجماع من المجلس الأوروبي.
ولكن حتى الاتحاد الأوروبي يعترف بإخفاقاته. وقال الاتحاد إنّ "القضايا المتعلقة بالإرادة السياسية وسهولة الاستخدام والتضامن الماليّ حالت دون نشرها".
الاتحاد الأوروبي مقابل الناتو
والاعتبار الحاسم هنا هو موقف حلف شمال الأطلسي. وقال فرير إنه مع وجود حلف شمال الأطلسيّ القوي، فإنّ الجيش الأوروبيّ "سيخاطر بتكرار دور قوات الناتو وبيروقراطيّتها" من دون تقديم أيّ قوة عسكرية إضافية لأوروبا.
وقال كريستي إنّ ذلك يضع أيضًا الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبيّ في موقف صعب.
مع خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبيّ عام 2016، وانتقال فنلندا والسويد إلى حلف شمال الأطلسي، فإنّ "فكرة الحديث داخل الاتحاد الأوربيّ عن المسائل الدفاعية، قد سقطت في الواقع"، كما يقول ويليام ألبيرك، مدير قسم الدفاع في منظمة حلف شمال الأطلسي. الاستراتيجية والتكنولوجيا والحدّ من الأسلحة في المعهد الدوليّ للدراسات الاستراتيجية (IISS) ومسؤول سابق في حلف شمال الأطلسي (الناتو).
تحمّلت الولايات المتحدة أعباءً عسكرية باهظة الثمن في أوروبا لأعوام، بما في ذلك توفير الخدمات اللوجستية والنقل الجوّي والاتصالات والاستخبارات وقدرات الاستطلاع. ومن دون الولايات المتحدة، كان لزامًا على الدول الأوروبية أن توفر هذه الخدمات بنفسها.
والاتحاد الأوروبيّ يعرف ذلك. واعترفت وكالة الدفاع الأوروبية في نوفمبر 2023 بأنّ "نقص الاستثمار المستمر والتعاون الأوروبيّ غير الكافي، أدى إلى خلق فجوات كبيرة في القدرة الدفاعية".
وقال فولكر إنّ الولايات المتحدة تقود حلف شمال الأطلسيّ لأنها تمتلك القدرات التي لا يمتلكها سوى عدد قليل من الدول الأخرى في جميع أنواع العمليات، بدءًا من التزود بالوقود والاستخبارات الفضائية والخدمات اللوجستية، إلى عوامل التمكين الأخرى. "الأمر كله يتعلق بالقدرة."
من سيقود الجيش الأوربي؟
يرى أرنولد أنّ الحصول على الإجماع أمر صعب للغاية، خصوصًا في أوروبا "المجزأة".
تقليديًا، سيكون القادة الافتراضيون هم فرنسا وألمانيا. والأهم من ذلك، أنّ فرنسا ستكون القوة النووية الوحيدة، لكنّ الخبراء يشيرون إلى أنه في أيّ جيش أوروبي، يجب أن تكون هناك مناقشات صريحة وواضحة حول متى ستكون باريس مستعدة للاستفادة من ترسانتها النووية لحماية المجموعة.
وقال ألبيركي إنّ ألمانيا تفتقر الآن إلى القدرة والمصداقية اللازمة لتكون في طليعة قوة عسكرية أوروبية من هذا النوع. لكنّ بولندا آخذة في الصعود، وهي قوة عسكرية شرقية مزدهرة على الجانب الشرقي، وتنفق الكثير من الأموال على جيشها، الذي من المقرر أن يصبح قريبًا "الجيش البرّي الأكبر والأكثر قدرة" في أوروبا.
وأضاف إنه في نهاية المطاف، مع خروج المملكة المتحدة من أوروبا والتزام دول مثل فنلندا والسويد بكل إخلاص بحلف شمال الأطلسي، فإنّ "فكرة الهيكل العسكريّ الأوروبيّ المنفصل عن الناتو، أصبحت أقل منطقية مما كانت عليه قبل عام أو عامين مضت".
وقال فولكر أنّ "الوقت ليس خاطئًا أبدًا" بالنسبة لأوروبا لتتحرك وتبني قدراتها الدفاعية.
(ترجمات)