ثمّة ضغوط عديدة يواجهها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بشأن استئناف الحرب في إيران، خصوصًا مع تباين المواقف أو بالأحرى التناقض بين إلحاح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعدم التصعيد في الجبهة اللبنانية، وكذلك انحسار شعبية نتانياهو في شمال إسرائيل المنطقة الأكثر تعرضًا لهجمات "حزب الله"، ومن ثم، الأعباء السياسية المتزايدة بالتزامن مع اقتراب الانتخابات.
حرب شاملة
وبحسب مراقبين تحدثوا لمنصة "المشهد"، فإنّ التصعيد بين إسرائيل وإيران لا يعني بالضرورة انزلاقًا إلى حرب شاملة، إذ لا تزال قنوات التفاوض بين واشنطن وطهران مفتوحة، بينما يحاول الرئيس ترامب الضغط باتجاه تسوية سياسية، الأمر الذي قد يضطر نتانياهو إلى الإذعان لها رغم تبعات وأعباء ذلك، السياسية.
فيما كشفت نتائج استطلاع جديد للرأي، عن تراجع ملحوظ في شعبية رئيس الوزراء الإسرائيلي في شمال إسرائيل. وقالت مؤسسة "أغام" في الجامعة العبرية خلال مايو الماضي، إنّ الناخبين في شمال إسرائيل يتخلون عن دعم حزب "الليكود" بوتيرة أسرع من بقية أنحاء البلاد، كما يحمّلون نتانياهو مسؤولية أكبر عن إدارة الحرب في لبنان.
ويأتي ذلك في وقت يجد فيه نتانياهو نفسه بين ضغوط داخلية متصاعدة ومقتضيات التنسيق مع الولايات المتحدة، التي تدفع نحو احتواء التوترات الإقليمية.
لطالما قدّم نتانياهو نفسه أمام الداخل الإسرائيلي، بوصفه السياسي الأكثر قدرة على إدارة العلاقة مع الرئيس ترامب، مستندًا إلى ما اعتبره رصيدًا من الثقة والتفاهم الشخصي بينهما، وفق "رويترز"، غير أنّ مكالمة هاتفية متوترة جرت بين الرجلين هذا الأسبوع، بعثت بشكوك حول هذه الصورة الرائجة، حيث وُجهت لنتانياهو انتقادات حادة من ترامب، الذي وصفه بأنه "مجنون تمامًا".
ضغوط على نتانياهو
وفي حديثه لمنصة "المشهد" يقول المراقب الدولي العسكري السابق لدى الأمم المتحدة الدكتور كمال الزغول، إنّ الحرب مع إيران بدت منذ بدايتها وكأنها نتاج رؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي، بينما يظهر الرئيس الأميركي اليوم في موقع الساعي إلى "إطفاء الحرائق" ومنع توسع المواجهة، بما يفاقم الضغوط على نتانياهو داخليًا.
فقد أكد ترامب أنّ نتانياهو سيضطر على الأرجح إلى قبول أيّ اتفاق قد تتوصل إليه الولايات المتحدة مع إيران، وهو تصريح يعكس وجود مسار سياسي ما زال مفتوحًا رغم التصعيد العسكري الأخير، بحسب الزغول.
وتابع: "الهجوم الصاروخي الإيراني على إسرائيل، مؤخرًا، حمل رسائل عدة؛ فطهران تصفه بأنه ضربة تحذيرية، بينما سارع ترامب إلى الدعوة لوقف التصعيد وعدم الانزلاق إلى مواجهة أوسع. كما أنّ عدم تسجيل خسائر كبيرة في إسرائيل، حتى الآن، إلى جانب محدودية تأثير الاعتراضات الصاروخية على المشهد العام، يوحي بأنّ جميع الأطراف ما زالت تحاول إبقاء الصراع ضمن سقف يمكن السيطرة عليه".
السيناريو الأكثر خطورة
ويلفت المراقب الدولي العسكري السابق لدى الأمم المتحدة، إلى أنّ السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في انتقال عدوى التصعيد لجبهات أخرى، خصوصًا في حال قررت إسرائيل توسيع عمليات الاغتيال داخل لبنان. ويقول: "عندها قد تجد المنطقة نفسها أمام مرحلة جديدة من المواجهة تتجاوز حدود الاشتباك الحالي. إلا أنّ قدرة ترامب على كبح التصعيد ستبقى عاملًا مؤثرًا في منع هذا المسار".
وفي الوقت نفسه، تبدو الولايات المتحدة حريصة على عدم الانخراط المباشر في العمليات العسكرية، كما يوضح الزغول، مؤكدًا أنه حتى في حال تدخلت القوات الأميركية لاعتراض بعض الصواريخ، فمن المرجح أن يكون ذلك بصورة محدودة وموقتة، نظرًا لاعتبارات تتعلق بالمخزونات العسكرية وحسابات الإدارة الأميركية الأوسع.
ويردف: "التطورات الأخيرة تعزز الانطباع بأنّ واشنطن وطهران لم تغلقا باب التفاوض. بل على العكس، ما زالت فرص التوصل إلى تفاهم قائمة رغم اشتعال المواجهة. ويبدو أنّ "الحرس الثوري" الإيراني يفضل إستراتيجية "خطوة مقابل خطوة"، باعتبارها الأسلوب الأكثر فاعلية في إدارة الصراع والردع، من دون الذهاب إلى حرب شاملة".
ويختتم الزغول حديثه قائلًا، إنّ التلميحات بخصوص "عمليات التجسس على المفاوضات وما نتج عنها من ضغوط وتحركات على الجبهة اللبنانية يشير إلى أنّ بعض الأطراف سعت إلى التأثير على مسار التفاهمات السياسية عبر خلق وقائع ميدانية جديدة. ومن هذا المنطلق يمكن فهم جانب من التصعيد الذي شهدته جبهة لبنان خلال الفترة الماضية".
أزمة ثقة
وفي ما يبدو أنّ الأزمة التي يواجهها نتانياهو لا تقتصر على تعقيدات المواجهة مع إيران، بل تمتد إلى تراجع مستوى الثقة بينه وبين ترامب، بحسب الباحث السياسي في مركز لندن للدراسات السياسية والإستراتيجية مايكل مورغان، موضحًا لـ"المشهد" أنّ ترامب بات أكثر حذرًا تجاه الانخراط في مواجهة أوسع مع إيران، كما تتباين المواقف بين واشنطن وتل أبيب بخصوص تغيير النظام في طهران، وقد باتت الإدارة الأميركية أمام قناعة بأنّ تغييرًا سريعًا ومباغتًا في طهران ليس أمرًا واقعيًا.ويضيف مورغان أنّ مواقف ترامب وتصريحاته الأخيرة، تعكس توجهًا واضحًا نحو احتواء التوتر والسعي إلى إبقاء الباب مفتوحًا أمام الحلول السياسية، مشيرًا إلى أنّ تمديد وقف إطلاق النار وتكرار الدعوات إلى خفض التصعيد يندرجان ضمن مساعي واشنطن للوصول إلى تفاهم أو اتفاق يجنّب المنطقة حربًا أوسع.
كما يرجح مورغان أنّ نتانياهو يواجه ضغوطًا سياسية متزايدة داخل إسرائيل، في ظل تصاعد انتقادات المعارضة للسياسات التي انتهجتها حكومته، وما ترتب عليها من تداعيات أمنية وسياسية. ويرى أنّ شريحة متنامية من خصومه تحمّله مسؤولية إدخال إسرائيل في مواجهات إقليمية معقدة تحمل مخاطر كبيرة على الأمن والاستقرار.
رسالة ضغط
ومن جهته، يرى المحلل السياسي الإيراني وجدان عبد الرحمن، أنه بالنسبة لنتانياهو، فرغم الضغوط التي يتعرض لها من الداخل الإسرائيلي، وأيضًا من جانب الرئيس ترامب شخصيًا، إلا أنّ هذه الضغوط ليست جديدة عليه، سواء من قبل المعارضة الإسرائيلية أو حتى من خلال التصريحات التي يدلي بها ترامب، وصولًا إلى وصفه لنتانياهو بـ"المجنون".
لكنّ الأهم بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، هو أن يقوم بما يراه واجبًا عليه القيام به. ورغم تحذير ترامب من استهداف إيران ودعوته إلى التريث لأيام عدة، فإنّ الرد الإسرائيلي، وبأمر من نتانياهو، جاء سريعًا، كما يوضح عبد الرحمن لـ"المشهد".
ويقول المحلل السياسي الإيراني، إنّ "هذا الرد كانت له نتائج إيجابية، حتى بالنسبة لترامب نفسه، حيث أظهرت الضربة الإسرائيلية أنّ الدفاعات الجوية الإيرانية ما تزال ضعيفة، خلافًا لما يدّعيه النظام الإيراني. كما تم استهداف منشآت اقتصادية حيوية، مثل مجمّع بتروكيماويات معشور، الذي يدر مليارات الدولارات على "الحرس الثوري" الإيراني، مع الأخذ في الاعتبار أنه قد وُجّهت ضربات مؤثرة إلى بعض أجزائه، ما قد يعرقل تدفق الأموال إلى "الحرس".
ويختتم عبد الرحمن حديثه مؤكدًا أنّ ترامب سيعتبر ذلك كله بمثابة "رسالة ضغط" موجهة إلى النظام الإيراني، مفادها أنه إذا لم تستجب طهران لمطالب الإدارة الأميركية، فإنّ الضربات الأميركية والإسرائيلية المقبلة ستكون أكثر إيلامًا وتأثيرًا على إيران.
تباين المواقف
إلى ذلك، يقول الخبير في الشأن الأميركي والمقيم في واشنطن زياد سنكري، إنّ الغموض يلف العلاقة الشائكة بين ترامب ونتانياهو خصوصًا بعد التسريبات المنهجية للإدارة الاميركية للمكالمة الشهيرة بينهما، موضحًا لـ"المشهد" أنّ هذا التسريب كان مقصودًا أميركيًا في محاولة لإظهار التمايز بين الموقفين الأميركي والإسرائيلي، وهو رسالة غير مباشرة للإيرانيين بأنّ أميركا غير موافقة على سياسة التصعيد الاسرائيلي في لبنان، خصوصًا استهداف العاصمة بيروت وضواحيها.
وبحسب سنكري، ثمة إشارة لافتة بخصوص "الامتعاض الأميركي من التجسس الاسرائيلي على المفاوضين الأميركيين الذين يُمسكون بالملف الإيراني، وهذا يعكس قلق الإدارة الاسرائيلية من تقلبات مواقف ترامب. ومن ثم، الوقوف على آخر ما يجري في المفاوضات في محاولة لعرقلة أيّ اتفاق يمكن أن يحصل بين طهران وواشنطن باعتباره ضربة للمخطط الاسرائلي ونكسة لمشروعه باسقاط حكم الملالي في إيران".
وتابع: "نقرأ من التصعيد غير المبرر باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت بعيدًا عن تحقيق أيّ أهداف عسكرية أو إستراتيجية، رغبة في توتير الأجواء والدفع نحو التصعيد العسكري لجهة نسف أيّ تقدم في ملف المفاوضات الأميركية الإيرانية.
ويختتم سنكري حديثه قائلًا، إنّ "نتانياهو أصبح أسير الائتلاف الحكومي اليميني المتطرف الذي اشعل البارحة موجة من التصريحات، منها "إحراق طهران" على سبيل المثال، والمطالبة باستقلال القرار الاسرائيلي عن واشنطن، وقد وُجهت انتقادات علنية لترامب الذي حاول لجم التصعيد الإسرائيلي. كل هذا يزيد الخناق على نتانياهو الذي يحاول التوفيق بين استمراره في الحكم عبر إرضاء أعضاء الائتلاف، وبين المحافظة على العلاقة الخاصة مع ترامب، من دون توتير العلاقات للدرجة القصوى".
(المشهد)