يمثل قرار البرلمان الأوروبي الذي صوّت بأغلبية هائلة على قرار يدفع الاتحاد الأوروبي إلى إدراج "الإخوان"، رسميًا، على قائمة الإرهاب، وكذلك ملاحقة الشبكات والتمويل والواجهات المرتبطة بها، تحولًا لافتًا في مسار التعامل الأوروبي مع الشبكات المرتبطة بها، بحسب مراقبين تحدثوا لـ"المشهد".
مقاربة أوروبية موحدة
ومن المرجح أن تحدّ هذه الخطوة الأوروبية من استفادة الشبكات المرتبطة بـ"الإخوان" من التباينات القانونية بين دول التكتل، وقد أشاروا إلى دور فرنسي متزايد في الدفع نحو مقاربة أوروبية موحدة.
وفي حال تحولت الدعوة البرلمانية إلى إجراءات إدراج فعلية من جانب المؤسسات الأوروبية المختصة، فقد تشمل التدابير المترتبة على ذلك تجميد الأصول والأموال وحظر إتاحة الموارد الاقتصادية لـ"الإخوان" والشبكات الإسلاموية المرتبطة بها، بما يوسع نطاق الرقابة الأوروبية على شبكات التمويل والعلاقات المرتبطة بها.
وقد دعا البرلمان الأوروبي مجلس الاتحاد الأوروبي إلى تقييم إمكانية إدراج كيانات أو أفراد مرتبطين بتنظيم "الإخوان" على قائمة المنظمات الإرهابية في الاتحاد الأوروبي. كما دعا المفوضية الأوروبية إلى منع المنظمات المرتبطة بـ"مجلس مسلمي أوروبا"، المرتبط منذ ثمانينات القرن الماضي بالتنظيم الدولي للإخوان، من الوصول إلى المؤسسات الأوروبية.
وجاء ذلك ضمن قرار بشأن إستراتيجية الاتحاد الأوروبي لمواجهة الإرهاب، ونفوذ تنظيم"الإخوان"، أقره البرلمان، اليوم الخميس، بأغلبية 381 صوتًا مقابل 167، فيما امتنع 15 نائبًا عن التصويت.
أهمية الخطوة
يرى الباحث المصري المتخصص في شؤون الإسلام السياسي سامح إسماعيل أن أهمية خطوة البرلمان الأوروبي تكمن في نقل ملف "الإخوان" من نطاق النقاشات السياسية المتباينة داخل الدول الأعضاء إلى إطار أوروبي مشترك، بما قد يمهد لصياغة مقاربة قانونية أكثر اتساقًا تجاه الأفراد والكيانات المرتبطة بالتنظيم الأم للإسلام السياسي.
ويشير إسماعيل في حديثه لمنصة "المشهد" إلى أن دعوة البرلمان الأوروبي إلى تقييم إدراج أفراد وكيانات مرتبطة بـ"الإخوان" على قائمة الإرهاب، إلى جانب تشديد التدقيق في علاقاتها بالتمويل الخارجي، يمكن أن توسع نطاق الإجراءات القانونية لتشمل الأشخاص المرتبطين بكيانات مدرجة، خصوصًا في مجالات التمويل والتدريب والتجنيد، وما قد يترتب على الإدراج من تدابير، بينها تجميد الأصول والحسابات.
كما يبرز هنا الدور الفرنسي في دفع هذا الملف على المستوى الأوروبي، بحسب الباحث المتخصص في شؤون الإسلام السياسي، مشيرًا إلى أن باريس كثفت منذ مايو 2025 تحركاتها لمواجهة الإسلاموية والتغلغل المرتبط بتنظيم الإخوان، بعد نشر وزارة الداخلية الفرنسية تقريرًا حول الإخوان والإسلام السياسي، أعقبته اجتماعات لمجلسي الدفاع والأمن القومي في مايو ويوليو العام نفسه، لجهة مناقشة ملف الإسلاموية والتغلغل الإخواني والانفصالية وتهديد قيم "الجمهورية"، وانتهت إلى إجراءات شملت تشديد الرقابة على الجمعيات وتجميد أصول.
"الإخوان" على قائمة الإرهاب؟
وعلى المستوى الأوروبي، يلفت إسماعيل إلى تحركات قادها النائب الفرنسي إريك بوجيه داخل الجمعية الوطنية الفرنسية للدفع نحو إدراج "الإخوان" على قائمة الإرهاب الأوروبية، وصولًا إلى إقرار الجمعية، في يناير 2026، قرارًا يدعو مؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى الدفع باتجاه هذا الإدراج.
ومن جهته، يرى المفكر المغربي المتخصص في شؤون التطرف سعيد ناشيد، أن قرار البرلمان الأوروبي يمثل خطوة نحو تبني إستراتيجية أوروبية موحدة لمواجهة شبكات الإسلام السياسي و"الإخوان"، بما يشمل تشديد الرقابة على مصادر تمويلها ومناقشة إدراج الكيانات والأفراد المرتبطين بها على قوائم الإرهاب.
ويعتبر ناشيد في حديثه لـ"المشهد" أن أهمية القرار تتجاوز الجانب الأمني إلى مواجهة الأفكار "الملغمة" و"المتشددة" التكفيرية والتحريضية على العنف التي تعرقل اندماج المسلمين في المجتمعات الأوروبية، محذرًا من توظيف مفاهيم دينية، مثل "الولاء والبراء" و"الحاكمية"، بما قد يعمق العزلة الاجتماعية ويؤثر في التماسك والانتماء الوطني.
كما يشير إلى أن تجفيف مصادر التمويل يمثل أحد المحاور الرئيسة في مواجهة هذه الشبكات، إلى جانب دعم المسلمين الذين يتبنون الديمقراطية والحريات الفردية والحداثة، معتبرًا أن هذا المسار يحتاج إلى تنسيق أوروبي واضح ومتواصل.
تشديد الرقابة على "الإخوان"
يتفق والرأي ذاته الكاتب والباحث المتخصص في شؤون الإرهاب طارق أبو السعد، والذي يرى أن ممارسات "الإخوان" في أوروبا تطورت من دور وظيفي اقتصر على تمثيل الجاليات المسلمة والحديث باسمها في القضايا الدينية، إلى بناء شبكات واسعة النفوذ داخل المجتمعات الأوروبية، بما يشبه جماعات الضغط، لافتًا إلى أن الخطر لا يقتصر على النشاط التنظيمي، بل يمتد إلى الدور الأيديولوجي للتنظيم الإسلاموي، الذي يرى أنه يعمق عزلة المهاجرين العرب والمسلمين عن مجتمعاتهم ويعرقل اندماجهم، إلى جانب تنامي شبكاتها في ظل تساؤلات عديدة حول مصادر تمويلها.
وحول تصويت البرلمان الأوروبي، يرى أبو السعد في حديثه لـ"المشهد" أن الخطوة لا تعني بدء مسار قانوني مباشر لتصنيف "الإخوان" على قوائم الإرهاب، لأن الاختصاص في هذا الشأن يعود إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي المعنية، وليس البرلمان الأوروبي. لكنه يعتبر التصويت مؤشرًا سياسيًا على تنامي الرفض لدور شبكات "الإخوان" ونفوذها داخل أوروبا، وقد يفتح الباب أمام تشديد الرقابة على أنشطتها ومصادر تمويلها والحد من توسع شبكات نفوذها.
ويستبعد أبو السعد تحول الخطوة، في المدى القريب، إلى تصنيف قانوني شامل للتنظيم، مشيرًا إلى تعقيدات تتصل بوجود قيادات وشبكات مرتبطة بالتنظيم الدولي في عدد من العواصم الأوروبية، ويرجح بدلًا من ذلك انتقال الملف إلى مرحلة أكثر تشددًا من الرقابة والمساءلة والحد من النشاط المؤسسي والمالي المرتبط بـ"الإخوان".
(المشهد)
