زراعة أعضاء المحكومين بالإعدام.. مقترح يفجّر الجدل في مصر

آخر تحديث:

شاركنا:
نزع أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام لإنقاذ المرضى مقترح يثير الجدل في مصر
هايلايت
  • نقابة الأطباء: صدور حكم بالإعدام لا يمنح أي جهة حق الاستيلاء على أعضاء المحكوم عليه.
  • أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية: لا يجوز تحويل جسد المحكوم عليهم بالإعدام إلى "بنك لقطع الغيار" تحت أي مبرر.
  • المجلس القومي لحقوق الإنسان: المحكوم بالإعدام يفقد حريته بحكم قضائي، لكنه لا يفقد كرامته ولا حقه في حرمة جسده. 

ضجة واسعة في أوساط الرأي العام المصري أحدثها مقترح يفيد ببحث إمكانية الاستفادة من أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام في إنقاذ حياة المرضى الذين يحتاجون إلى زراعة أعضاء بشرية، وسط تحذيرات من تجاوز الضوابط المنظمة للتبرع بالأعضاء، ومخاوف من المساس بحرمة جسد الإنسان أو تقويض الثقة في منظومة زراعة الأعضاء.

أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام

المقترح الذي أطلقه الطبيب المصري البارز حسام موافي، أستاذ طب الحالات الحرجة بكلية طب القصر العيني، تخلله تساؤل حول إمكانية الحصول على أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام وزراعتها للمرضى المنتظرين لعمليات زراعة الأعضاء، قبل تنفيذ الحكم، متسائلاً في الوقت نفسه عن مدى مشروعية الفكرة من الناحيتين القانونية والدينية.

وتباينت الرؤى والتعليقات حول ما طرحه موافى داخل البلاد، ما بين مؤيد للفكرة ويراها بمثابة خطوة إنسانية تفتح أبواب الأمل لإنقاذ ملايين المرضى، ومعارض يعتقدها انتهاكاً واعتداءً على حرمة الموتى وحقوقهم، في ظل تساؤلات حول مدى جواز نقل الأعضاء من المحكوم عليهم بعد تنفيذ حكم الإعدام، والضوابط الشرعية التي تحكم التبرع بالأعضاء.

قضية حقوق إنسان بالغة الأهمية

وتعليقاً على هذا المقترح الذي أثار جدلاً واسعاً داخل مصر، أكد عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان المصري الدكتور محمد ممدوح في تصريحات لمنصة "المشهد"، أن النقاش الذي أثير بشأن إمكانية الاستفادة من أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام، لا ينبغي التعامل معه باعتباره مسألة طبية أو فقهية فقط، وإنما باعتباره قضية حقوق إنسان بالغة الحساسية، تتصل مباشرة بالكرامة الإنسانية والحق في السلامة الجسدية وحرمة الجسد والرضا الحر والمستنير، وبحدود سلطة الدولة تجاه الإنسان الخاضع لولايتها.

وأضاف أن القاعدة الحقوقية التي يجب أن ينطلق منها أي نقاش، هي أن الحكم الجنائي مهما بلغت جسامة الجريمة، لا يسلب الإنسان صفته الإنسانية ولا يؤدي إلى سقوط حقوقه كافة، موضحاً أن المحكوم عليه بالإعدام تظل له حقوق أصيلة حتى تنفيذ الحكم، ولا يجوز التوسع في آثار العقوبة لتشمل حقوقًا لم يقضِ الحكم بحرمانه منها، مبيناً أنه يتفهم الدافع الإنساني وراء طرح المقترح، خصوصا أمام معاناة آلاف المرضى المنتظرين لزراعة عضو قد ينقذ حياتهم، لكنه أكد في الوقت ذاته أن المنهج الحقوقي لا يقيس مشروعية الوسيلة بنبل الهدف وحده، وإنما بمدى احترامها لكرامة الإنسان وحريته وسلامة جسده.

جسد المحكوم عليه ليس ملكاً للدولة

ولفت ممدوح إلى أن جسد المحكوم عليه ليس جزءاً من العقوبة، وليس ملكاً للمؤسسة العقابية أو للدولة، ولا يجوز النظر إليه باعتباره مورداً يمكن الاستفادة منه لمجرد أن صاحبه صدر بحقه حكم نهائي بالإعدام، فهذه نقطة فاصلة في أي مقاربة حقوقية لهذه القضية.

وأوضح أن الأشخاص المحرومين من حريتهم، يُعدون من الفئات التي تستوجب حماية خاصة عند الحديث عن الموافقة على الإجراءات الطبية، لأنهم يوجدون بطبيعة وضعهم تحت سلطة الدولة، وهو ما يجعل التحقق من حقيقة الرضا الحر أكثر تعقيداً، ومن ثم فإن مجرد الحصول على موافقة مكتوبة لا يكفي بذاته، بل يجب التأكد من أنها صدرت دون ضغط مادي أو معنوي، ودون وعد بتخفيف العقوبة أو تحسين ظروف الاحتجاز أو منح أي امتياز، مع ضمان الحق الكامل في العدول عنها حتى اللحظة التي يسمح بها القانون.

إشكالية حقوقية

وأشار عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان إلى أن الخطورة الحقوقية الأكبر تظهر إذا حدث أي تداخل بين تنفيذ عقوبة الإعدام والحصول على الأعضاء، مؤكداً ضرورة الفصل المطلق بين المسارين، فلا يجوز تحت أي تصور أن تتحول عملية الحصول على العضو إلى وسيلة لتنفيذ العقوبة، أو أن يصبح الاحتياج الطبي للأعضاء عاملاً حاضراً في توقيت التنفيذ أو إجراءاته.

وشدد على أن واجب الدولة تجاه الشخص المحكوم عليه لا ينخفض بسبب جسامة العقوبة، بل تصبح مسؤوليتها عن حماية سلامته وحقوقه أكثر وضوحاً، لأنه أصبح تحت سيطرتها الكاملة، ولا يستطيع حماية نفسه بالقدر المتاح للشخص الموجود خارج أماكن الاحتجاز، ومن هنا تأتي أهمية وجود رقابة وضمانات مستقلة تحول دون نشوء أي مصلحة مؤسسية مرتبطة بجسد المحكوم عليه.

اعتراض نقابة الأطباء

وبدوره أبدى الأمين العام لنقابة الأطباء المصرية الدكتور خالد أمين اعتراضه على مقترح نقل أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام لإنقاذ المرضى، مبيناً في حديثه لمنصة "المشهد "، أن صدور حكم بالإعدام على شخص لا يعني تلقائياً جواز الحصول على أعضائه دون موافقته، مستغرباً في الوقت نفسه عن سبب قصر الفكرة على المحكوم عليهم بالإعدام فقط، مبيناً أن التبرع بالأعضاء لا يختلف باختلاف الوضع القانوني للمتبرع.

وأضاف أن المحكوم عليه بالإعدام لا يصبح لمجرد صدور الحكم شخصاً مسلوب الإرادة في التصرف في جسده، موضحاً أن له حقوقا تتعلق بجسده، ومن بينها الحق في قبول التبرع بأعضائه أو رفضه وفقاً للقواعد المنظمة.

مطالب بإنشاء منظومة وطنية للتبرع

وأكد أمين أن النقاش الأجدى هو كيفية بناء منظومة وطنية قوية وعادلة للتبرع بالأعضاء، تقوم على نشر ثقافة التبرع الطوعي، والشفافية في قوائم الانتظار، والمساواة وعدم التمييز في توزيع الأعضاء، ومنع الاتجار والاستغلال، وتوفير الرقابة الطبية والقانونية المستقلة.

واختتم قائلًا إن الاختبار الحقيقي لحقوق الإنسان ليس فقط في حماية حقوق من نتفق معهم أو نتعاطف معهم، وإنما في قدرتنا على حماية الحد الأدنى غير القابل للمساس من حقوق الإنسان حتى لمن ارتكب أخطر الجرائم، فقد يحكم القضاء على إنسان بفقدان حياته وفقًا للقانون، لكن ذلك لا يعني أن يفقد كرامته أو أن يصبح جسده امتدادًا للعقوبة.

رأي دار الإفتاء المصرية

ومن جهته فيرى أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية الدكتور هشام ربيع، أنه على الرغم من النبل الظاهر للمقصد الطبي من المقترح والمتمثل في إحياء النفس، فإنه يصطدم بضوابط شرعية وأخلاقية تحمي كرامة الإنسان، وتمنع تحويل جسده إلى "بنك لقطع الغيار" تحت أي مبرر، حسب وصفه.

وكشف أن الفتوى المستقرة في الديار المصرية والمجامع الفقهية المعتبرة، قد أجازت من حيث المبدأ نقل الأعضاء من الميت إلى الحي، ولكنها قَيَّدت هذا الجواز بضوابط يستحيل أو يكاد تحققها في حالة المحكوم عليه بالإعدام.

موانع شرعية

وذكر ربيع أن هناك عقبات شرعية تحول دون تنفيذ نقل أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام للمرضى، وذكر أن أبرز هذه العقبات تتمثل في الآتي:

غياب معيار "الرضا والإرادة الحرة"، موضحاً أن الشريعة تشترط لصحة التبرع أن يصدر عن وصية طوعية من شخص كامل الأهلية، دون أي ضغط أو إكراه مادي أو معنوي، والمحكوم عليه بالإعدام يعيش واقعاً استثنائياً تحت وطأة قهر نفسي وسلب للحرية، مما يجعل أي موافقة تصدر عنه في هذه اللحظات الحرجة مشوبة بالإكراه المعنوي القاهر أو اليأس، وهو ما يُسقط اعتبارها شرعًا.

لحظة استقطاع العضو، إذ يشترط الفقه الإسلامي التَّحقق اليقيني من الموت الكلي (توقف القلب والتنفس والدماغ توقفًا تامًا لا رجعة فيه)، ولا يعتد بمجرد "الموت الإكلينيكي" أو "موت جذع المخ" لبدء انتزاع الأعضاء، وفي حالات الإعدام يتطلب النقل الطبي الناجح لبعض الأعضاء الحيوية استقطاعها فوراً، وربما قبل التحقق من الموت الكلي بالمعيار الشرعي، مما يوقع المنفذين في شبهة الاعتداء على جسد لا يزال شرعاً في حكم الحي.

الإعدام لا يسقط حرمة جسد الإنسان

ووفقاً لأمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، فإن إقامة العقوبات تهدف إلى استيفاء الحقوق وردع الجريمة، ولكنها لا تسلب الإنسان مهما بلغت جريمته أصل "الكرامة الآدمية" التي وهبها الله له بقوله في قوله تعالى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}.

وحذر من أن تمرير هذا المقترح والموافقة عله حتى وإن غُلِّف بغطاء إنساني سيفتح باباً خطيراً لانتهاك حرمة الموتى، وامتهان أجساد المستضعفين والمقيدين، وهو ما يتنافى مع مقاصد الشريعة الإسلامية التي جعلت حفظ النفوس وحفظ الكرامة الإنسانية صنوين لا يفترقان.

(المشهد)