في تحوّل سياسي غير مسبوق داخل إسرائيل، قررت الأحزاب العربية استخدام ثقلها البرلماني لإعادة رسم خارطة الحكم، حيث أعلنت كلٌّ من "القائمة المشتركة" و"القائمة العربية الموحدة" رسميًا عن توصيتهما بتكليف غادي أيزنكوت بتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، وتمتلكان معًا 19 مقعدًا في الكنيست.
وهذه الخطوة لم تكن مجرد مناورة عادية، بل أحدثت زلزالًا في الساحة السياسية الإسرائيلية، فمع انضمام أصوات القائمتين إلى أحزاب المعارضة، قفز رصيد أيزنكوت إلى 67 توصية، متجاوزًا عتبة الـ61 مقعدًا المطلوبة لتشكيل الحكومة، في حين تراجع بنيامين نتانياهو إلى 46 توصية فقط، ما وضعه في موقف دفاعي حرج.
ومع ذلك، فإن خلفيات هذا التحالف لا تعكس تقاربًا مع أيزنكوت بقدر ما تعكس رغبة حاسمة في إسقاط نتانياهو، وهو ما عبّر عنه النائب أحمد الطيبي بوضوح حين وصف القرار بأنه مفاضلة بين "السيئ والأقل سوءًا"، بينما أكدت "المشتركة" أن خطوتها جاءت استجابةً للمطلب الجماهيري بإغلاق باب السلطة أمام اليمين المتطرف.
وفي المقابل، تضاعفت أزمة نتانياهو بضربة من داخل معسكره، إذ امتنع حزب "يهدوت هتوراة" الحريدي عن توصية أي مرشح بسبب خلافات حادة حول قانون تجنيد المتدينين، لتجتمع التوصية العربية وتمرد حلفائه الحريديم في وضع العراقيل أمام عودته إلى الحكم.
أيزنكوت يتصدر بدعم العرب
وفي هذا السياق، أوضح الخبير بالشأن الإسرائيلي نهاد أبو غوش لمنصة "المشهد" أن "أهمية توصية الأحزاب العربية بأن يتولى زعيم حزب المعارضة الإسرائيلي أيزنكوت مهمة تشكيل الحكومة لا تكمن في دعمه بحد ذاته، بل في إسقاط نتانياهو، فالأحزاب العربية لم تصوّت لأيزنكوت تعبيرًا عن تقارب أيديولوجي، بل لأنها تعتبر نتانياهو الشر الأكبر، وتريد إغلاق الطريق أمامه. ما تقدمه هو شبكة أمان برلمانية من الخارج، وليس تحالفًا سياسيًا".
وتابع "لذلك التأثير المباشر على نتانياهو ظهر على مستويين: أولًا، انقلاب الأرقام، أيزنكوت حصل على 67 توصية مقابل 46 لنتانياهو، الذي تلقى ضربة من داخل معسكره، حيث امتنع حزب يهودوت هتوراة عن توصيته بسبب خلاف حول قانون تجنيد الحريديم. ثانيًا، أزمة الشرعية، نتانياهو يحاول تصوير أي حكومة تعتمد على العرب بأنها غير شرعية، لكن هذا الخطاب سيرتد عليه، لأن العرب يمثلون 19 مقعدًا وأكثر من 20% من السكان".
وأضاف الخبير بالشأن الإسرائيلي أنه "بعد التوصية، سيكلّف الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ أيزنكوت رسميًا بتشكيل الحكومة، ويمنحه 28 يومًا قابلة للتمديد، لكن النجاح في الحصول على التكليف شيء، والنجاح في تشكيل حكومة شيء آخر تمامًا، إذ إن أيزنكوت يواجه معضلة ثلاثية: أولًا، التوصية ليست عضوية، الـ67 صوتًا هي توصيات لهرتسوغ، وليست أصواتًا لحجب الثقة في الكنيست. الأحزاب العربية قالت بوضوح: ندعمك من الخارج، لكننا لن ندخل حكومتك، خصوصا أن أيزنكوت نفسه اشترط اعترافها بإسرائيل كدولة يهودية، وبـ"حماس" كمنظمة إرهابية، وهي شروط لا يمكن للقائمة المشتركة قبولها علنًا".
وتابع "ثانيًا، شريكه يرفض العرب، ليبرمان أوصى بأيزنكوت، لكنه يرفض الجلوس مع الأحزاب العربية، ومن دون ليبرمان، لا يصل أيزنكوت إلى 61 مقعدًا في الائتلاف. ثالثًا، الانتخابات الجديدة مغامرة، إذا فشل التشكيل، قد نتجه إلى جولة خامسة، لكن الأحزاب العربية حققت رقمًا قياسيًا بإقبال تجاوز 80%، ومن الصعب تكراره".
أيزنكوت المحاصر
من جهته، اعتبر المحلل السياسي الإسرائيلي يسرائيل حسون لـ"المشهد" أن "توصيات العرب لأيزنكوت هي أقرب إلى أغلبية سلبية، ربما تكون كافية لإحداث تغيير في السلطة، لكنها غير كافية لتشكيل ائتلاف حاكم مستقر. تقنيًا، حصل أيزنكوت على توصيات تتجاوز نصف أعضاء الكنيست، متقدمًا على نتانياهو، مما يمنحه الأفضلية في السباق على تكليف تشكيل الحكومة، لكن هذه الأرقام لا تتحول مباشرة إلى مقاعد حكومية، لأن أيزنكوت نفسه وضع شروطًا صارمة: اعتراف العرب بإسرائيل كدولة يهودية، وتطبيق الخدمة العسكرية أو المدنية على الجميع، والاعتراف بـ"حماس" كمنظمة إرهابية".
ولفت إلى أن "المشكلة أن هذه الشروط بالكاد يمكن للأحزاب العربية قبولها، فالقائمة المشتركة ترفض علنًا الخدمة العسكرية ووصف "حماس" بالإرهابية، وتصر على دعم الحكومة من الخارج فقط، والأكثر حرجًا أن ليبرمان، حليف أيزنكوت الرئيسي، يرفض قطعًا الجلوس مع العرب، مما يجعل ائتلافًا رسميًا يشملهم مستحيلًا من الناحية التقنية".
وأضاف حسون خلال حديثه لـ"المشهد" أن "أيزنكوت لا يستطيع التنازل لليبرمان، لأن ذلك يعني التخلي عن شروطه الأساسية وتدمير صورته كبديل معتدل أمام الناخب الوسطي، والأهم أنه حتى لو تنازل، فمن دون دعم العرب لا يملك أغلبية برلمانية بأي شكل. في ظل هذا الجمود، الانتخابات الخامسة مرجحة جدًا، لأن التقليد الإسرائيلي هو إعادة الكرة للناخبين عندما تفشل الأرقام في تشكيل ائتلاف، لكنها محفوفة بالمخاطر لمعسكر التغيير، فنسبة المشاركة العربية القياسية قد لا تتكرر، وإذا انخفض الحماس فقد يستعيد نتانياهو مقاعد، لذلك أيزنكوت محاصر بين شروطه ورفض ليبرمان وعدم تعاون العرب، والانتخابات الخامسة تبدو المخرج الأرجح رغم أنها الأكثر تدميرًا".
خارطة التشكيل المعقدة
فيما أكد الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي عصمت منصور لـ"المشهد" أن "هذه هي الفرصة الحقيقية التي أُتيحت فعليًا، وقد أظهرت نتائج الانتخابات أغلبية واضحة ضد نتانياهو وضد اليمين ونهج اليمين، وهذا الانعكاس لا يقتصر على مستوى النتائج الانتخابية فحسب، بل يمتد إلى مستوى تشكيل الحكومة، حيث يواجه رئيس الدولة قرارًا مصيريًا في ظل هذه الأغلبية، غير أن التوصيات هي التي تحدد مسار الأمور فعليًا، بمعنى أن خيارات رئيس الدولة أصبحت محصورة بأيزنكوت، وهذا يصب في مصلحته بشكل مباشر".
ولفت إلى أن "الأهم من ذلك أن هذه التوصيات خلقت أمام الرأي العام أغلبية واضحة، بفارق 21 مقعدًا بينه وبين نتانياهو، وهذا ليس مجرد رقم، بل يكسر حاجزًا نفسيًا عميقًا، ويُظهر بما لا يدع مجالًا للشك أن هناك أغلبية حقيقية مؤيدة للتغيير".
ويعتقد الباحث منصور، في حديثه لـ"المشهد"، أن "هناك فرقًا جوهريًا بين الموحدة والمشتركة، ليس في الجاهزية، فكلتاهما جاهزة، بل في هامش المناورة وطبيعة العلاقة مع الخارج، فالدعم الذي يأتي للمشتركة من الخارج يمنحها مساحة أوسع وخيارات أكثر أمام أيزنكوت وأحزاب المعارضة، ويعزز قدرتها على التأثير في مسار التشكيل، لذلك فإن الاعتماد على الأحزاب العربية في هذه المرحلة ليس مسألة هامشية، بل هو موضوع يثير جدلًا واسعًا داخل المعارضة، ويُطرح بكثافة على الساحة السياسية،
ويضيف "هنا يبرز السؤال الجوهري: أين يقف الأمن العام الإسرائيلي من هذا كله؟ فلا يمكن تجاهل قضية التحريض التي أُثيرت، والتي كان لها تأثير مباشر في دفع الأطراف العربية نحو دعم أيزنكوت".
وتابع منصور لـ"المشهد" أن أيزنكوت يواجه 3 سيناريوهات لتشكيل الحكومة: "الأول حكومة أقلية يعتمد فيها على دعم الأحزاب العربية من الخارج، وهو الأقرب حسابيًا، لكنه يصطدم بشروطه الأربعة التي تتناقض مع مواقف العرب وبرفض شركائه اليمينيين مثل ليبرمان، والثاني استمالة الأحزاب المتشددة للوصول إلى أغلبية، وهو ممكن عدديًا لكنه يتطلب تنازلات بشأن التجنيد تتعارض مع جوهر برنامجه، والثالث حكومة وحدة مع نتانياهو، وهي الأقل جدوى لأنها تتناقض مع هدف المعارضة الأساسي بإسقاطه، وعليه، تمنحه الأرقام فرصة نظرية، لكنه محاصر بين شروطه وشركائه، والأرجح أن يتجه نحو حكومة أقلية بدعم عربي خارجي، وإلا فستُجرى انتخابات جديدة خلال الأسابيع المقبلة".
(المشهد - القدس)
