يوماً بعد يوم تتصاعد المخاوف داخل الدولة المصرية حول مستقبل مياه النيل الذي يمثل شريان الحياة لعموم المصريين، خصوصًا مع إصرار الجانب الإثيوبي على عدم التجاوب في أيّ مفاوضات تساهم في الحفاظ على حقوق مصر المائية.
ففي الوقت الذي ما تزال فيه أزمة سد النهضة الإثيوبي عالقة بين القاهرة وأديس أبابا، كشفت تقارير إعلامية عن خطط إثيوبية لإنشاء 3 سدود جديدة على المجرى الأعلى لنهر النيل الأزرق، بطاقة تخزينية مستهدفة تقدر بنحو 140 مليار متر مكعب، أي ما يقارب ضعف سعة سد النهضة والتي تبلغ نحو 74 مليار متر مكعب، وفق موقع "أفريكا إنتليجنس"، وهو ما أثار غضباً واسعاً داخل الأوساط المختلفة في مصر.
وبدوره أكد وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم في تصريحات له تمسك بلاده بموقفها الثابت تجاه ملف السد الإثيوبي، مشدداً على أن مخططات أديس أبابا معروفة لكن الدولة المصرية لن تسمح بأيّ شيء آخر يحدث، وموضحاً أن مصر تتابع موسم الفيضان بدقة ولا توجد مؤشرات على دخول البلاد في سنوات جفاف حاد.
وعلى الجهة المقابلة، تقول أديس أبابا إن خطط بناء السدود تأتي ضمن إستراتيجية تنموية أوسع تهدف إلى تعزيز إنتاج الكهرباء، ودعم الزراعة، وتحقيق التنمية الاقتصادية، مشيرة إلى أن مشروعات السدود يمكن أن تساهم في تنظيم تدفقات المياه والحد من مخاطر الفيضانات.
كارثة كبيرة
وفي تعليقه على عزم الجانب الإثيوبي بناء 3 سدود جديدة على النيل الأزرق، وصف مستشار وزير الري المصري السابق الدكتور ضياء الدين القوصي في تصريحات خاصة لمنصة "المشهد" بناء هذه السدود "بالكارثة"، موضحاً أن السعة التخزينية لسد النهضة الإثيوبي تصل إلى 74 مليار متر مكعب من المياه، بينما السعة التخزينية المستهدفة للسدود الـ3 المزمع إنشاؤها تقدر بنحو 200 مليار متر مكعب، أي ما يعادل 4 أضعاف التصرف الطبيعي للنيل الأزرق، وبالتالي فإن هذه السدود الـ3 لديها القدرة على منع كل نقطة مياه من النيل الأزرق لمدة 4 سنوات متتالية.
وأضاف أن الهدف الحقيقي من بناء هذه السدود المزمع تشييدها هو التحكم الكامل والسيطرة غير المسبوقة على تدفق مياه النيل الأزرق، والذي يمثل شريان الحياة بالنسبة لمصر والسودان، موضحاً في الوقت نفسه أن توليد الكهرباء لا يستلزم سدوداً ضخمة، بل تكفي لتحقيقه سدود صغرى دون إلحاق أيّ أضرار بمصر والسودان، وهو ما يكشف سوء النوايا لدى أديس أبابا.
مطالب باتخاذ مواقف قوية
تعتبر القاهرة أن ملف المياه قضية وجودية، نظراً لاعتمادها على نهر النيل لتغطية نحو 97% من احتياجاتها المائية، ومن هنا طالب القوصي بضرورة أن تكون هناك بعض التصرفات (الخشنة) من قبل الحكومة المصرية تجاه إثيوبيا، إذا ما تم وضع "طوبة" واحدة لهذه السدود، حتى لو اضطر الأمر إلى القيام بعمل عسكري وضرب تلك السدود.
ولفت إلى إن إثيوبيا لا تمل ولا تكل في استغلال الظروف الإقليمية لتمرير مشاريعها المائية دون إخطار مسبق لدولتي المصب مصر والسودان، وبدون دراسات جادة تدفع الضرر عن دولتي المصب، مبينا أن أديس أبابا تتعامل مع نهر النيل وكأنه مورد وطني خالص لها، في حين أنه نهر عابر للحدود تفرض طبيعته شراكة عادلة بين كافة دول حوضه.
ومن هنا، أوضح أستاذ القانون الدولي العام والأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية الدكتور محمد مهران، أن التقارير الإعلامية المتعاقبة منذ مارس 2026 عن خطط إثيوبية لإنشاء 3 سدود جديدة على النيل الأزرق هي سدود (ماندايا، وكرادوبي، وبيكو آبو)، سترفع إجمالي الطاقة التخزينية الإثيوبية إلى 224 مليار متر مكعب، أي 3 أضعاف حصة مصر المائية السنوية البالغة 55.5 مليار متر مكعب، ما يمثل خطراً وجودياً على الأمن المائي المصري والسوداني، ويتجاوز بكثير كل ما فرضه سد النهضة منذ بدء إنشائه.
وأوضح أن الأرقام وحدها تكشف حجم الكارثة المُخطَّط لها، مشيراً إلى أن سد بيكو آبو وحده المُصمَّم بارتفاع 285 متراً بطاقة 2,100 ميغاواط، سيكون واحداً من أعلى السدود في العالم، وأن الطاقة الكهربائية الإجمالية للسدود الـ3 تبلغ 10 ميغاواط أي ضعف الطاقة الإجمالية لسد النهضة، وأن الهدف المُعلن وفق المسؤول الإثيوبي الذي نقلت عنه منصة ناتسيف الإسرائيلية هو تخفيف الضغط الهيدرولوجي على سد النهضة وإطالة عمره التشغيلي وهو ما يعني بلغة القانون الدولي استمرار مسار التحكم الأحادي في تدفقات النيل الأزرق بلا أي اتفاق ملزم.
مخالفة للقانون الدولي
ومن الناحية القانونية يقول مهران إن القانون الدولي يُحدد بوضوح تام ما تلتزم به إثيوبيا قبل أي خطوة تنفيذية في هذه السدود، مؤكداً أن المواد من 11 إلى 19 من اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية، تُلزم الدول بإخطار الدول الأخرى المتشاطئة مسبقاً بأي تدابير مخططة قد تُلحق ضرراً جسيماً بها، وإتاحة مدة 6 أشهر للتشاور والتفاوض قبل الشروع في التنفيذ.
وأشار إلي أن إثيوبيا أخلّت بهذا الالتزام مع سد النهضة وبات من الواضح أنها تنوي تكرار الأمر مع السدود الـ3 الجديدة وهو ما يُعرّضها للمساءلة الدولية الكاملة.
وبينّ أن مبدأ عدم الإضرار الجسيم المنصوص عليه في المادة الـ7 من الاتفاقية ذاتها، وفي المادة الـ3 من إعلان المبادئ الموقع بين مصر وإثيوبيا والسودان عام 2015، يُلزم أديس أبابا بالتحقق من أن مشروعاتها لا تُلحق ضرراً جسيماً بدولتَي المصب قبل البدء في أي إجراء تنفيذي، مؤكداً أن مصر رفضت هذه السدود وأبلغت الاتحاد الإفريقي برفضها وأن هذا الرفض الرسمي يُنشئ التزاماً على إثيوبيا بعدم المضي في التنفيذ قبل التوصل لتسوية تفاوضية.
واعتبر الأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية، أن الإعلان الإثيوبي عن هذه السدود في ظل غياب أيّ اتفاق ملزم ينظم تشغيل سد النهضة ذاته يُثبت أن أديس أبابا تعتمد سياسة الأمر الواقع المتراكم، وهو ما يستوجب ردًّا قانونياً وسياسياً ودبلوماسياً مصرياً موحداً وحازماً، يستنفر كل الأدوات المتاحة في القانون الدولي والدبلوماسية الإقليمية والأممية لوقف هذا المسار، قبل تحوله إلى واقع لا يمكن التراجع عنه، مؤكدا أن حق مصر الكامل في الدفاع عن أمنها المائي وفقا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
فكرة قديمة متجددة
وكشف مستشار وزير الري المصري السابق الدكتور ضياء الدين القوصي أن الحديث عن بناء سدود جديدة من قبل إثيوبيا على النيل الأزرق ليس بالجديد، بل يتم وفق مخططات أعدت لها أديس أبابا منذ سنوات، موضحاً أن القاهرة سبق وأن رفضت مقترح بناء هذه السدود قبل ذلك وتحديداً في عام 2010 بسبب أضرارها الجسيمة، بل إنها قامت بإرسال أسباب رفضها بشكل رسمي إلى مبادرة حوض النيل وإثيوبيا إضافة إلى جهات التمويل الدولية في العام نفسه.
وحذر من أن شروع إثيوبيا على بناء هذه السدود الـ3 ستكون له تداعيات سلبية عدة أبرزها:
- زيادة الشح المائي في مصر على نحو خطير، لأن هذه السدود ستقوم بحجز كميات ضخمة جداً من المياه لملء بحيراتها.
- التحكم المنفرد لإثيوبيا على تدفقات النهر بالمخالفة للقوانين الدولية.
وشدد القوصي على أن كل ذلك سيعرّض بحيرات هذه السدود لعمليات تبخر واسعة، وهو ما يؤدي إلى فقدان كميات لا يستهان بها من المياه مقارنة بسد واحد.
(المشهد)
