وسط آلام الفقدان، والدمار الذي خلفته الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، تلوح في أفق غزة معالم حلم جديد، وتبرز مبادرة إماراتية إنسانية طموحة، تهدف إلى إعادة إعمار وتأهيل منطقة رفح الجنوبية، وتمكينها من استيعاب النازحين وتوفير حياة كريمة لأهالي القطاع، مشروع "رفح الجديدة"، يخاطب المجتمع الدولي بأن غزة رغم الجراح العميقة قادرة على النهوض.
المشروع الإماراتي الذي أُعلن عنه بتوجيهات من القيادة العليا في دولة الإمارات العربية المتحدة، يشمل إنشاء مجمع سكني متكامل الخدمات في منطقة رفح، يتكون من آلاف الوحدات السكنية المجهزة بأعلى المعايير، بالإضافة إلى مبانٍ تعليمية تشمل مدارس ومراكز تدريب مهني، ومرافق صحية مستدامة، ومساحات تجارية وترفيهية تخدم المجتمع الجديد، كما يركز المشروع على توفير البنية التحتية المتكاملة من طرق وشبكات مياه وكهرباء وصرف صحي صديق للبيئة.
وعلى أعتاب هذا العمل الإنساني، يتوقع مراقبون تحدثوا لـ"المشهد" أن "يسهم المشروع عند اكتماله باستقرار جزئي في جنوب قطاع غزة، ويعمل على تخفيف حدة الكثافة السكانية، ويخلق دورة اقتصادية محلية جديدة، ما قد يشكل نموذجاً لإعادة الإعمار القائم على الكرامة والتنمية المستدامة".
"رفح الجديدة"
يأتي مخطط "رفح الجديدة" كركيزة أساسية في مسيرة إعادة الإعمار ما بعد الحرب، ويعدّ أول استثمار إماراتي ميداني يعلن في مرحلة التعافي.
وفي هذا الصدد، قال مدير عام شركة "أمل غزة" المنفذة للمرحلة الأولى المهندس إياد أبو هضيب: "بدأنا العمل الميداني في الدراسات والتمهيد للأرض، رغم التحديات اللوجستية، المشروع ليس مجرد وحدات سكنية، بل هو محاولة لخلق بيئة معيشية كاملة، مع التركيز على الاستدامة، وتمكين الأسر من خلال فرص العمل التي سيخلقها المشروع خلال وبعد التنفيذ".
وأضاف في حديثه لـ"المشهد" أن المشروع الإماراتي "رفح الجديدة" سيكون نموذجاً للمجمعات الحضرية المستدامة، ولن يقتصر على الوحدات السكنية الجاهزة فحسب، بل سيشمل "مجمعات سكنية، تتألف من آلاف الوحدات السكنية المبنية وفق أعلى معايير الجودة والسلامة ومجهزة لاستقبال الأسر ومرافق خدمية شاملة، تشمل مستشفى ميدانياً، ومجمع عيادات، وبعض المدارس في مختلف المراحل التعليمية، ومراكز لتدريب الشباب على المهن الحرفية والتقنية.
وشدد على أنه "سيهتم بالبنية التحتية المتكاملة من شبكات طرق معبدة وشبكات كهرباء تعمل بالطاقة الشمسية، وشبكات مياه وصرف صحي حديثة، وكذلك مساحات مجتمعية وأسواق تجارية ومراكز خدمية، ومساحات خضراء وملاعب للأطفال".
ووفق أبو هضيب، يهدف المشروع إلى تحقيق تحول نوعيّ في مفهوم إعادة الإعمار، عبر 3 ركائز، أولها الاجتماعي والإنساني من خلال توفير وحدات سكنية آمنة وكريمة ومتكاملة الخدمات للأسر التي دمرت منازلها وفقدت ممتلكاتها.
وأشار إلى أن الركيزة الثانية هي في الجانب التنموي والاقتصادي، عبر تحفيز الاقتصاد المحلي من خلال خلق فرص عمل مباشرة في مراحل البناء، وبرامج تدريبية مصاحبة، وتهيئة البنية التحتية اللازمة لانطلاق مشاريع صغيرة مستقبلية، أما الركيزة الثالثة فهي الركن الإستراتيجي والنموذجي، عبر تقديم نموذج عملي وسريع التنفيذ يمكن تعميمه وتوسيعه يثبت جدوى وقابلية إعادة الإعمار، ويشجع جهات دولية وإقليمية أخرى على الانضمام إلى مسيرة الاستثمار في مستقبل المنطقة.
بوابة أمل وبقاء
يمثل هذا المشروع أول استثمار إماراتي في عملية إعادة إعمار قطاع غزة ما بعد الحرب، في الجزء من غزة الذي يقع تحت السيطرة الإسرائيلية حالياً، وقد ساهمت دولة الإمارات بأكثر من 1.8 مليار دولار أميركي كمساعدات إنسانية لغزة منذ نشوب الحرب، وفقاً لوسائل الإعلام الإماراتية الرسمية، ما يجعلها أكبر مانح للمساعدات الإنسانية لغزة.
وتحدثت منصة "المشهد" مع عدد من الفلسطينيين المستقبلين للمشروع.
وقالت أم مهند (47 عاماً)، أم لـ6 أطفال، نزحت وعائلتها مرات عدة وعانت من الحرب وتبعاتها: "كابدنا كثيراً منذ نشوب الحرب، خسرنا منزلنا في مدينة رفح، وكل ما نملك، حتى أرضنا الزراعية أصبحت غير صالحة للاستخدام، لكن عندما علمنا حول هذا المشروع الإماراتي الحيوي، شعرنا بأمل الحصول على حياة مستقرة من أجل أولادنا".
تكتسب هذه المبادرة، أهمية استثنائية كونها أول مشروع استثماري وإعمار فعلي يعلن في مرحلة ما بعد الحرب، مما يعطي زخماً لجهود إعادة الإعمار الدولية، ويتميز المشروع الإماراتي بتحويل المساعدات الإنسانية العاجلة إلى مشاريع تنموية مستدامة، تعيد إحياء المجتمع الغزي، وتمكنه النهوض مجدداً، في رسالة أمل وعزم لبناء مستقبل أكثر استقراراً وإشراقاً.
وبناء على ذلك، يتطلع الشاب الثلاثيني مراد أبو ماضي أن يوفر له مشروع "رفح الجديدة" عملاً ومنزلاً.
وقال: "أشعر بأمل وفرح كبير حيال هذا المشروع، الذي لا يوفر السكن فحسب، بل فرص عمل في مراحل التحضير والبناء والتشغيل، وهناك فرصة ذهبية من خلال دورات التدريب المهني، لكي اكتسب مهارات علمية وعملية، في مجالي العملي وبناء مجتمعنا مجدداً".
أهمية إنسانية وحيوية
وأشار الباحث والخبير السياسي د. عماد عمر في مدينة رفح، إلى أن "مشروع رفح الجديدة الإماراتي يمثل استجابة حيوية لحالة طوارئ إنسانية غير مسبوقة في قطاع غزة، وتبرز أهميته على مستويات متعددة، وفي حقيقته بناء للإرادة والاستمرارية، فهو يرسل رسالة واضحة إلى أهالي غزة مفادها أن الدمار ليس قدراً نهائياً، وأن يد العطاء يمكن أن تكون أقوى من آلة الحرب، إنه يضع حجر الأساس، ليس فقط للمنازل، بل للقناعة بأن الغد، رغم كل شيء، يمكن أن يكون أفضل من الأمس".
وأضاف: "تمثل الأهمية الإنسانية لهذا المشروع في كونه إجابة عملية على سؤال البقاء في أكثر أشكاله أساسية، وهو المأوى، فمع التدمير الإسرائيلي لمئات الآلاف من الوحدات السكنية، تحولت الحياة إلى معاناة يومية للبحث عن سقف، المشروع الإماراتي، يقدم وحدات سكنية متكاملة مجهزة بمرافق صحية وكهرباء ومياه، تحفظ الكرامة على خطى إعمار قطاع غزة".
بدوره، أعرب مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية في قطاع غزة د. أمجد الشوا لمنصة "المشهد" عن أهمية البدء في مشاريع إعادة إعمار قطاع غزة على الأرض بشكل فوري وعاجل "من أجل أن تؤدي مهامها في التخفيف من معاناة أهالي قطاع غزة على مختلف الأصعدة، كما ونتطلع إلى الدفع ببرامج من شأنها معالجة العديد من الأزمات التي يعاني منها الفلسطينيون في القطاع، في ظل وجود أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة".
وأوضح أن "الإشكالية الأساسية لا تتعلق بمثل هذه المشاريع الحيوية الإنسانية بحد ذاتها، بل بمدى التزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، وفي مقدمتها فتح المعابر بشكل كامل، والسماح بدخول جميع المواد والمساعدات اللازمة لدعم التعافي الاقتصادي والاجتماعي، وبدء عملية إعادة تأهيل مقومات الحياة في القطاع، بما في ذلك إزالة آثار الدمار".
(المشهد)