رغم التداعيات التي خلفتها الغارات الأردنية على محافظة درعا ما أدى إلى مقتل حوالي 20 عنصوا من "داعش" ورافق ذلك سقوط ضحايا مدنيين، يرى مراقبون أن المصالح المشتركة والاعتبارات الجيوسياسية تظل عوامل أساسية في استمرار العلاقات بين الأردن وسوريا خصوصا في ظل التحديات المرتبطة بأمن الحدود ومكافحة تهريب المخدرات واستقرار المنطقة.
وفي وقت تتصاعد فيه الدعوات إلى احتواء تداعيات الحادثة وتطوير آليات التنسيق الأمني بعد زيادة حملات التحشيد الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي في سوريا ضد الأردن، برزت أهمية الحوار بين عمّان ودمشق للحفاظ على مسار التقارب، ومنع انعكاس التوترات الميدانية على العلاقات السياسية والاقتصادية والروابط الاجتماعية بين البلدين.
مصالح مشتركة تتجاوز أحداث درعا
ومن هنا، أكد رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية الدكتور خالد شنيكات أن العلاقات الأردنية السورية تحكمها اعتبارات الجغرافيا السياسية والمصالح المشتركة.
وأشار إلى أن التعاون بين البلدين ضرورة متبادلة، خصوصا في الملفات الأمنية وضبط الحدود، فيما رأى الكاتب والمحلل السياسي السوري حسام طالب أن الأحداث الأخيرة في درعا على الرغم مما خلفته من تداعيات مؤلمة، لن تقطع مسار العلاقات بين البلدين بل قد تدفع إلى إعادة ترتيب آليات التنسيق وتطويرها لتجنب تكرار مثل هذه الحوادث.
وأضاف: "تأتي هذه المواقف في ظل انفتاح أكبر في العلاقات بين عمّان ودمشق منذ وصول حكومة أحمد الشرع إلى السلطة، وتزايد التواصل السياسي والأمني والاقتصادي بين الجانبين وسط تحديات مشتركة تتصل بأمن الحدود ومكافحة تهريب المخدرات وعودة اللاجئين واستئناف التبادل التجاري".
وقال شنيكات إن الجغرافيا السياسية تحدد طبيعة العلاقة بين الأردن وسوريا وتؤدي دورا أساسيا في رسم مسارها، موضحا أن الأردن يحتاج إلى تعاون الحكومة السورية لحماية حدوده وضبط الأمن، فيما تحتاج دمشق بدورها إلى التعاون مع عمّان ما يجعل العلاقة قائمة على المصالح المتبادلة بين الطرفين.
تنسيق دبلوماسي
وأشار إلى أن الزيارات والاجتماعات المتكررة بين المسؤولين والأجهزة الأمنية في البلدين تؤكد ضرورة استمرار قنوات التواصل والحوار، إلى جانب مواصلة الاجتماعات على المستويات السياسية والأمنية المختلفة.
وأضاف أن اللقاءات التي جمعت وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي بنظيره السوري أسعد الشيباني، إلى جانب استقبال الأردن الرئيس السوري أحمد الشرع في وقت سابق من قبل الملك عبد الله الثاني، تعكس توجه عمّان نحو التعامل مع المرحلة الجديدة في سوريا بإيجابية وحرصها على فتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية.
ورأى شنيكات أن هذه المواقف تؤكد اهتمام الأردن باستمرار التعاون مع سوريا، معتبرا أن المسؤولية تقع أيضا على الجانب السوري، في ظل حاجته إلى بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الاستقرار الداخلي، وعدم فتح جبهات عداء مع دول أخرى.
ولفت إلى أن تركيا تمثل طرفا مؤثرا في العلاقات الأردنية-السورية، مشيرا إلى أن عددا من الاجتماعات بين الجانبين عُقد بمشاركة تركية، وأن أنقرة أدت دورا إيجابيا في هذا المسار.
وأوضح أن الأردن معني بمواصلة الحوار مع دمشق لتحقيق مجموعة من المصالح المشتركة من بينها تهيئة الظروف لعودة اللاجئين السوريين، واستئناف حركة التجارة، وإطلاق المشاريع المشتركة.
وأشار إلى أن الأردن درّب عددا من الموظفين السوريين في مجالات مرتبطة بالنظام المالي، إلى جانب مجالات أخرى.
وفي المقابل، أشار شنيكات إلى أن إسرائيل تمثل عاملا آخر يؤثر في الحسابات الأردنية السورية، في ظل احتلالها مناطق في جنوب سوريا، والمخاوف الأردنية من سيطرتها على مصادر المياه ومنابعها في الجنوب السوري.
وأكد أن هذه الملفات تجعل التعاون بين الأردن وسوريا حاجة ملحة للطرفين، في ظل تعدد التحديات والضغوط المحيطة بهما، مشددا على أن المصالح المشتركة تفرض استمرار التنسيق بدلا من الانزلاق إلى الخلاف.
أحداث درعا لن تقطع العلاقات
ومن دمشق، قال الكاتب والمحلل السياسي حسام طالب إن العلاقات الأردنية السورية شهدت، بعد سقوط نظام بشار الأسد وتسلم حكومة الرئيس أحمد الشرع السلطة، تنسيقا على مستويات متعددة، شمل الجوانب الأمنية والاقتصادية وفتح المعابر ومكافحة المخدرات وضبط الحدود.
وأضاف أن هذا التنسيق جاء في إطار العلاقة الإيجابية التي بدأت بين البلدين عقب التغيير السياسي في سوريا، مشيرا إلى أن دعم الأردن للحكومة السورية ظهر في خطاب الملك عبد الله الثاني أمام الأمم المتحدة، وكذلك من خلال المواقف والتحركات التي اتخذتها الحكومة الأردنية تجاه سوريا.
ولفت طالب إلى أن موقف الأردن من وحدة الأراضي السورية وسيادتها كان واضحا، مشيرا إلى رفض عمّان فتح معبر بين السويداء والأردن في ظل ما وصفه بضغوط إسرائيلية في هذا الاتجاه.
وفي تعليقه على القصف الأردني الأخير في محافظة درعا، قال إن العملية كانت مؤلمة وأسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين، بينهم أطفال وامرأة و3 رجال، معتبرا أنها شكلت خطأ أمنيا ينبغي التعامل مع تداعياته والعمل على عدم تكراره.
وأوضح طالب أن ما حدث قد يدفع إلى تعزيز التنسيق بين البلدين وإعادة ترتيب آلياته، بما يحد من احتمال وقوع أخطاء مماثلة مستقبلا.
وشدد على أن التعامل مع الحادثة باعتبارها عدوانا أردنيا لا يخدم العلاقات الثنائية، في حين أن الإقرار بوقوع خطأ أمني والعمل على معالجته يمثلان مدخلا لتجاوز تداعياته.
وأشار طالب إلى أن الأردن أعرب في بيان صادر عن وزارة الخارجية، عن أسفه لسقوط ضحايا مدنيين في درعا، مرجّحا أن يكون ذلك قد جاء بعد اتصالات جرت بين الجانبين واللجان المشتركة المعنية بمتابعة الملفات ذات الصلة.
وأكد أن العلاقات الأردنية السورية مستمرة رغم الحادثة، وأنها لا تزال تستند إلى روابط ومصالح مشتركة، مضيفا أن ما جرى قد يقود إلى إعادة تنظيم آليات التنسيق وتطويرها، بما يمنع تكرار الحادث المؤسف.
روابط اجتماعية واقتصادية
وشدد طالب على أن العلاقات بين البلدين لا ينبغي أن تُبنى على حادثة أمنية واحدة بل على مجمل الروابط القائمة بين الشعبين، مشيرا إلى وجود عشائر مشتركة، وإلى استمرار استضافة الأردن للاجئين السوريين منذ أكثر من 14 عاما.
وقال إن الأردن تعامل بكرم مع اللاجئين السوريين طوال الأعوام الماضية، معتبرا أن هذه الروابط تمثل عوامل إيجابية يمكن البناء عليها لتعزيز العلاقات الثنائية، بدلا من السماح لحادثة درعا بالتأثير في مسارها.
وفي معرض حديثه عن التحديات القائمة، أشار طالب إلى أن ملفي تهريب المخدرات وضبط الحدود إلى جانب آليات التنسيق الأمني، ما زالت تتطلب تعاونا مستمرا بين الجانبين.
وأوضح أن الحكومة السورية أغلقت معبر نصيب بصورة مؤقتة عقب أحداث درعا بهدف احتواء الموقف ومنع استغلال الحادثة لإحداث شرخ بين الشعبين السوري والأردني، معتبرا أن الخطوة هدفت إلى ضبط الأوضاع وإعادة ترتيبها على المستويين الشعبي والأمني، تمهيدا لإعادة فتح المعبر.
وأكد أن العلاقات الاقتصادية تمثل أحد أوجه الترابط بين البلدين، إذ يشكل الأردن ممرا مهما للبضائع السورية المتجهة إلى دول الخليج، فضلا عن حركة السفر والتبادل التجاري.
وشدد طالب على أن العلاقة بين الأردن وسوريا تظل قوية بفعل المصالح الاقتصادية والروابط الاجتماعية والتنسيق القائم بينهما، معربا عن أمله في أن تسهم الإجراءات المقبلة في تحسين آليات التعاون وتفادي تكرار ما حدث في درعا.
(المشهد)
