تقف البشرية أمام مرحلة مفصلية من تاريخها، بعد أن خرج "كبار الذكاء الاصطناعي" في العالم ليعلنوها بشكل صريح بأن البرامج التي يطورونها قد تؤدي في النهاية إلى "دمار البشر"، مطالبين بضرورة إبطاء عمليات تطوير برامج الذكاء الاصطناعي.
ولم تكن التحذيرات التي خرجت بالأمس، مفاجئة للكثير من المتابعين لتطوّر هذه التكنولوجيا، حيث حذّر خبراء على مدار الأشهر القليلة الماضية من مخاطر التقدم المتسارع في برامج الذكاء الاصطناعي، وهو ما جعل المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك الأسبوع الماضي، يحذر من أنّ الذكاء الاصطناعي قد يشكّل "تهديدا وجوديا للبشرية"، داعيا إلى اتخاذ إجراءات فورية للحد من هذه المخاطر.
"قد يقتلنا جميعا"
خلال الأسبوع الماضي، تزايد القلق بشأن الأضرار المحتملة الناجمة عن الذكاء الاصطناعي، عندما استقال جاكوب كوكسون الباحث في شركة أنثروبيك، قائلا إن "الأشخاص الذين يعملون على تطوير الذكاء الاصطناعي يؤمنون إيمانا راسخا بأنه قد يقتلنا جميعا بحلول نهاية هذا العقد".
بدورها، سلطت صحيفة "نيويورك تايمز" الضوء على هذه القضية، مشيرة إلى أن فقدان السيطرة على الوتيرة المتسارعة لبرامج الذكاء الاصطناعي في غياب معايير الأمان يعني أننا أمام "سيناريو يوم القيامة".
كل ذلك دفع رئيس أنثروبيك التنفيذي داريو أمودي للدعوة إلى إبطاء وتيرة تطوير قدرات النماذج في ظل مخاوف متزايدة من إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي، مقترحا إطارا من 3 خطوات لتنظيم وتيرة التطوير ومنح وقت أطول للتعامل مع المخاطر المصاحبة لهذه التقنيات.
ردا على ذلك، اتفق عدد من رؤساء شركات الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة مع هذا الطرح.
يقول أستاذ هندسة الكمبيوتر بجامعة نيويورك والخبير في مجال الذكاء الاصطناعي الدكتور محمد زهران، في حديث لمنصة "المشهد"، إنّ "الخوف الحقيقي ليس من الذكاء الاصطناعي ولكن الخطر يكمن في الغباء الطبيعي"، مشيرا إلى أن الخطورة الحقيقية تكمن في الأوامر التي يعطيها القائمون على هذه التكنولوجيا للبرامج.
يتفق في هذا الطرح الخبير في مجال الذكاء الاصطناعي عبد الله أبو ديالك، قائلا إن الذكاء الاصطناعي قد يكون الخطر الذي يهدد البشرية وقد يكون المنقذ أيضا.
وأضاف في مقابلة مع برنامج "المشهد الليلة" الذي تقدمه الإعلامية كاترين دياب، على قناة ومنصة "المشهد": "نحن نتعامل مع تكنولوجيا تغيّر شكل العالم، تتحكم في كل القرارات المصيرية".
لماذا الخوف من الذكاء الاصطناعي؟
ذكرت وكالة "رويترز" الأسبوع الماضي أن سربا من وكلاء "أوبن إيه.آي" الخارجين عن السيطرة استولى على موقع إلكتروني ألماني وحوله إلى لوحة إعلانات لوكلاء ذكاء اصطناعي آخرين، بينما أبقى مسؤولو الشركة المطورة لـ"تشات جي.بي.تي" الواقعة طي الكتمان في وقت كان فيه المسؤولون التنفيذيون يتعاملون مع تداعيات اختراق يوليو لمستودع البرمجيات مفتوح المصدر هاجينج فيس.
وأثارت وقائع عديدة اخترق فيها وكلاء ذكاء اصطناعي تابعون لمطورين مثل "أوبن إيه.آي" أنظمة خارجية أو حاولوا الوصول إليها مخاوف بشأن القدرات المتزايدة لنماذج الذكاء الاصطناعي وقدرة مطوريها على احتوائها.
يوضح زهران أن المشكلة الرئيسية التي تثير مخاوف المسؤولين عن شركات الذكاء الاصطناعي تتمثل في:
- المسؤولون عن شركات الذكاء الاصطناعي وعلى رأسهم مؤسس شركة أنثروبيك يرون أنه كلما "زاد حجم الشبكة العصبية المتعلقة ببرامج الذكاء الاصناعي كلما كانت دقة برمجيات الذكاء أفضل".
- زيادة حجم الشبكة العصبية للذكاء الاصطناعي يعني أن القائمين على هذه التكنولوجيا سيفشلون في معرفة كيفية عمل أدوات هذه البرامج وطريقة تطوير نفسها.
- مصدر الخوف الأساسي هو عدم فهم كيفية قيام برامج الذكاء الاصطناعي باتخاذ القرارات، وهو ما يعني أن البشر وقتها لن يستطيعوا التحكم أو منع الأخطار التي قد تقوم هذه البرامج بارتكابها.
يرى أيضا عبد الله أبو ديالك في حديثه لـ"المشهد" أن المسؤولين عن الذكاء الاصطناعي أصبحوا غير قادرين على فهم كيفية عمل هذه التكنولوجيا وهذا مصدر الخطر.
الصراع الأميركي الصيني
ورغم ذلك، قلّل الرئيس الأميركي دونالد ترامب من المخاطر الناجمة عن تطوير برامج الذكاء الاصطناعي، قائلا إن "قوى سلبية للغاية" تثير مخاوف لن تتحقق بشأن الذكاء الاصطناعي، وأكد أنه يريد ضمان بقاء الولايات المتحدة في موقع الريادة في هذا القطاع.
وأضاف "يمكننا وضع ضوابط. يمكننا فعل هذا أو ذاك. لكنني أعتقد أن هناك الكثير من القوى السلبية للغاية التي تثير هذه المسألة، في حين لا ينبغي لها أن تفعل ذلك، وهي تثير أمورا لن تحدث".
في المقابل، يرى زهران في حديثه لـ"المشهد" أن فكرة الرقابة الحكومية على شركات الذكاء الاصطناعي لن تكون مجدية لأن المعلومات التي تمتلكها الشركات فيما يخص تقنيات عمل هذه البرامج أكبر بكثير من تلك التي تعرفها الحكومات وبالتالي لن تكون الرقابة هنا ذات جدوى.
ومع ذلك يقر زهران بأن "أزمة الثقة" بين شركات الذكاء الاصطناعي تشكل أحد العوائق الرئيسية أمام كبح جماح هذه التكنولوجيا، مضيفا "كل شركة تسعى لتطوير برامجها وبالتالي أي إبطاء لتطوير البرامج معناه خسارة هذه الشركة المنافسة أمام باقي الشركات".
هذا التنافس دفع الرئيس الأميركي إلى القول "نحن نسبق الصين في مجال الذكاء الاصطناعي. نحن أكثر الدول تقدما في العالم، وبصراحة أريد الحفاظ على هذا الوضع، لأن من يفز بالذكاء الاصطناعي هو الفائز".
من جانبه، يشير أبو ديالك أن التحركات الأخيرة من المسؤولين عن شركات الذكاء الاصطناعي في أميركا بالتأكيد يصب في صالح الصين التي تعمل على تطوير تكنولوجيا تتوفق على نظيرتها الأميركية.
يقول "هناك تقرير تشير إلى أن الصين متفوقة بالفعل على أميركا على الرغم من القيود التي تفرضها واشنطن فيما يخص منح الصين الرقائق الإلكترونية التي تعمل بها برامج الذكاء الاصطناعي".
لم تتأخر الصين كثيرا في الرد على دعوات إبطاء وتيرة تطوير برانمج الذكاء الاصطناعي، إذا قالت صحيفة "غلوبال تايمز" الصينية المدعومة من الدولة في افتتاحية لها إن المقال الذي كتبه الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، بدا وكأنه تصريح عقلاني يركز على المخاطر الأمنية، لكنه في الحقيقة "نهج لحرب باردة" تستهدف الصين.
وأوضح الخبير في مجال الذكاء الاصطناعي أبو ديالك أن الأزمة الحقيقية تتمثل في إطلاق تكنولوجيا بهذه القوة والتأثير من دون وضح قيود أخلاقية وقواعد تنظيمية لها، لافتا إلى ضرورة وضع معايير أخلاقية تنظم عمل هذه التكنولوجيا خصوصا في ظل الصراع المحتدم بين الشركات لتطوير الأدوات التي تدخل في جميع مناحي الحياة حاليا.
(المشهد)