يفرض الذكاء الاصطناعي نفسه كقوة اقتصادية صاعدة داخل الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي)، بعدما بات تأثيره يمتد إلى التضخم والنمو والوظائف والأسواق المالية.
وتعهد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، كيفن وارش، بالقضاء على التضخم في أول خطاب رئيسي له، لكنه أولى اهتماماً كبيراً أيضاً لمجال جديد يركز عليه البنك المركزي: "الذكاء الاصطناعي".
وقال وارش يوم الجمعة: "لقد وصلنا إلى منعطف تاريخي بسبب الذكاء الاصطناعي"، مضيفاً أن "هذه التكنولوجيا يمكن أن تعزز النمو الاقتصادي بشكل هائل".
وجاءت تصريحات وارش في أعقاب تحول طرأ مؤخراً على رؤية الاحتياطي الفيدرالي للذكاء الاصطناعي؛ إذ كانت هذه المؤسسة المالية النافذة تتعامل معه إلى حد كبير كعنصر ثانوي، وذلك منذ أن أدى ظهور "تشات جي بي تي" عام 2022 إلى تدفق سيولة نقدية هائلة وغير مسبوقة في الاقتصاد الأميركي، بحسب تقرير لصحيفة "واشنطن بوست".
ووفقاً لتحليل أجرته الصحيفة، لم يكن الذكاء الاصطناعي يُذكر إلا نادراً في الملخصات العلنية لاجتماعات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي -حيث يناقش المسؤولون سبل توجيه الاقتصاد الأميركي- وذلك حتى خريف العام الماضي فقط.
أما هذا العام، فقد باتت هذه التكنولوجيا تلعب دوراً محورياً، إذ تكرر ذكر الذكاء الاصطناعي وتأثيراته الممتدة على الوظائف، والنمو الاقتصادي، وتكلفة المعيشة، ومخاطر الانهيارات المالية في عشرات المناسبات.
ويعكس تزايد اهتمام الاحتياطي الفيدرالي بالذكاء الاصطناعي الأهمية المتنامية لهذه التكنولوجيا في قضايا جوهرية تهم الأميركيين وصنّاع السياسات وقطاع الأعمال العالمي.
وفي هذا السياق، تقول كلوديا سام -وهي خبيرة اقتصادية سابقة في الاحتياطي الفيدرالي وتشغل حالياً منصب كبيرة الاقتصاديين في شركة الاستثمار "نيو سنشري أدفايزرز" إن الذكاء الاصطناعي يمثل "القصة المحورية لكل شيء" في عام 2026.
وإليكم كيف تطور هذا الأمر داخل أروقة الاحتياطي الفيدرالي، الذي يُعد واحداً من أكثر المؤسسات نفوذاً وتأثيراً في العالم.
تأثير مباشر
وتؤثر قرارات هذه اللجنة بشكل مباشر على تكلفة القروض العقارية وقروض السيارات، وأسعار السلع في المتاجر، ومحفظتك الاستثمارية، ومعدلات التوظيف لدى الشركات، وغيرها من الأمور الحيوية.
تُعقد الاجتماعات سرًا، ولا تُتيح محاضرها العلنية سوى نظرة عميقة على تفاصيل هذه الاجتماعات الهامة.
لا تُشير محاضر اجتماعات الاحتياطي الفيدرالي صراحةً إلى الذكاء الاصطناعي في عامي 2023 وأوائل 2024.
ويُظهر أحد المقاطع أن الاحتياطي الفيدرالي كان يُلاحظ تأثيراته دون ذكر اسم هذه التقنية.
وارتفع سوق الأسهم بشكل ملحوظ في عام 2023، ويعود ذلك في الغالب إلى ارتفاع أسعار أسهم عمالقة التكنولوجيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مثل "أمازون" و"ميتا" و"مايكروسوفت" وشركة "إنفيديا" لصناعة رقائق الحاسوب.
وبحسب التقرير، لا تُعكس محاضر اجتماعات الاحتياطي الفيدرالي بالضرورة جميع اهتمامات المسؤولين أو مناقشاتهم.
ولم يَرِد أول ذكر صريح للذكاء الاصطناعي في ملخصات الاجتماعات الحاسمة التي تشكل جوهر مهام الاحتياطي الفيدرالي إلا في ربيع عام 2024، أي بعد نحو عام ونصف من إطلاق "تشات جي بي تي".
وأضاف التقرير أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد الشركات على زيادة حجم الإنتاج خلال ساعات العمل نفسها، وهو أمر جوهري لدفع عجلة الاقتصاد الأميركي.
وبحلول منتصف عام 2025، كان الذكاء الاصطناعي قد أحدث زلزالاً اقتصادياً لا يمكن تجاهله.
إذ بدأت شركات التكنولوجيا الرائدة في إنفاق مئات المليارات من الدولارات سنوياً على مشاريع ضخمة، شملت إنشاء وتجهيز مراكز بيانات مكتظة برقائق الحاسوب المخصصة لمعالجة عمليات الذكاء الاصطناعي.
في خريف العام الماضي، بدأ مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي بالحديث عن هذا الإنفاق الهائل على الذكاء الاصطناعي، كما تُظهر محاضر الاجتماعات.
وبحلول أواخر العام، كانوا يناقشون أيضًا ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على تحقيق سيناريو اقتصادي مثالي.
يعتقد كل من وارش وترامب أن الذكاء الاصطناعي قادر على تحقيق مزيج مثالي من اقتصاد سريع النمو، وعمال قادرين على إنجاز المزيد بجهد أقل، وانخفاض أسعار المستهلك.
لكن حتى الآن، لم يُحقق الذكاء الاصطناعي معجزة الإنتاجية، بل إن الإنفاق الهائل على بناء مراكز حاسوبية متخصصة بالذكاء الاصطناعي يُفاقم التضخم، وفقًا لما ذكره الخبير الاقتصادي في معهد "أميركان إنتربرايز"، مايكل سترين.
(ترجمات)
