في عام 2012، وقف وزير الدفاع الأميركي آنذاك ليون بانيتا على متن حاملة طائرات في نهر هدسون بمدينة نيويورك، محذرًا من هجوم وشيك قد "يصيب الأمة بالشلل والذهول". وأكد أنّ الهجوم لن يأتي عبر الجو أو البر أو البحر، بل من خلال الإنترنت.
قال بانيتا إنّ هجومًا إلكترونيًا تنفّذه دول أو جماعات متطرفة، يمكن أن يكون مدمرًا بقدر هجمات 11 سبتمبر، مشيرًا إلى سلسلة من الاختراقات التي كشفت ضعف البنية التحتية الحيوية في عصرها الرقمي المتسارع. وشرح أنّ الهجمات يمكن أن تتسبب بخروج قطارات ركاب عن مسارها، أو الأسوأ من ذلك، قطارات محملة بمواد كيميائية خطرة، أو أن تلوث مصادر المياه في المدن الكبرى، أو أن تعطّل شبكة الكهرباء على نطاق واسع.
مثّلت تلك الكلمة لحظة مفصلية في فهم التهديدات السيبرانية، وأشارت إلى تحوّل جذري في كيفية تعامل الدول والشركات مع الأمن الإلكتروني، وكانت المرة الأولى التي يقر فيها مسؤول بهذا المستوى بالخطر الوجودي الذي يشكله القراصنة.
سيناريوهات قاتمة
السيناريوهات المظلمة التي حذر منها بانيتا أصبحت لاحقًا مادة لأفلام هوليوودية ومسلسلات مثل فيلم "اليوم صفر" الذي عرضته "نتفلكس" عام 2025، لكن لحسن الحظ، لم تقع هجمات مماثلة في الواقع حتى الآن.
لكنّ الهجمات الإلكترونية الحاصلة اليوم أكثر خبثًا واستهدافًا للأفراد والمؤسسات، وتشهد حاليًا ارتفاعًا غير مسبوق. فقد طالت عمليات الاختراق هذا العام عشرات الملايين من البريطانيين، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال تعطل الخدمات أو نفاد السلع من المتاجر.
وفي هذا الأسبوع، تم الكشف عن تعرّض بيانات أكثر من مليون مستخدم لنظام المساعدة القانونية للاختراق، وجاء ذلك بعد اختراق طال بيانات تصل إلى 10 ملايين من عملاء متجر ماركس آند سبنسر، و20 مليونًا من أعضاء تعاونية "كو-أوب".
تضمنت البيانات المسروقة معلومات شخصية أساسية مثل الأسماء وتواريخ الميلاد والعناوين، لكنّ الأخطر أنّ بعضها شمل سجلات جنائية وتفاصيل عن ضحايا العنف المنزلي.
وتتماشى هذه الهجمات مع اتجاه متزايد من الحوادث الشديدة، إذ سجلت شركات أمن إلكتروني رقمًا قياسيًا في عدد هجمات الفدية في الربع الأول من عام 2025. وكشف بحث أجرته شركة Check Point، أنّ المؤسسات تعرضت لنحو 2000 هجوم إلكتروني أسبوعيًا خلال أول 3 أشهر من السنة، بزيادة تقارب 50% مقارنة بالعام الماضي.
ويعود هذا التصاعد إلى مجموعة من العوامل، بحسب الباحثين، أبرزها تسارع الرقمنة، والاعتماد المتزايد على أنظمة خارجية، وصعود جماعات إجرامية منظمة تعمل بدوافع مالية.
وصرّح سبنسر ستاركي، مسؤول في شركة SonicWall، لصحيفة "إندبندنت" البريطانية قائلًا: "من المرجح أن تزداد الأمور سوءًا قبل أن تتحسن. المهاجمون يبتكرون أسرع من المدافعين، والكثير من المؤسسات ما زالت تحاول اللحاق بالركب".
سبب آخر لهذا التصعيد هو انخفاض تكلفة أدوات القرصنة وسهولة استخدامها. فالأدوات المتطورة باتت تُباع في السوق السوداء أو عبر تطبيقات مثل "تليغرام"، بأسعار تبدأ من 50 دولارًا فقط. وهناك أدوات مثل روبوت الدردشة الخبيث WormGPT متاحة مجانًا على الإنترنت وتُستخدم في حملات احتيال وهجمات تستهدف التضليل والخداع.
شبكة روبوتات جديدة
وقد انعكس انتشار هذه الأدوات في ارتفاع غير مسبوق بحالات سرقة الهوية في بريطانيا مثلًا، بحسب خدمة Cifas لمكافحة الاحتيال، حيث خسر بعض الضحايا مئات آلاف الجنيهات.
تهديد آخر ظهر هذا الأسبوع يتمثل في شبكة روبوتات جديدة قادرة على التسبب بدمار غير مسبوق على الإنترنت. أحد الباحثين في غوغل وصفها بأنها "قادرة على قتل معظم الشركات"، بعد أن تم استخدامها في هجوم دام 45 ثانية فقط على موقع الباحث في الجرائم الإلكترونية بريان كريبس.
تتكون هذه الشبكة، المسماة "أيسورو"، من ملايين الأجهزة المُخترقة مثل الثلاجات الذكية وكاميرات المراقبة، وتُستخدم في تنفيذ هجمات حجب الخدمة (DDoS) التي تُغرق المواقع بحركة مرور زائفة لتعطيلها. وتفوق أيسورو قوة شبكة "ميراي" التي سببت فوضى رقمية واسعة عام 2016 بنحو عشرة أضعاف. وبحسب كريبس، فإنّ هذه الشبكة قد تُستخدم قريبًا في شن هجمات تعجيزية لن تتمكن معظم المواقع من مقاومتها.
وقد بدأت عروض بيع "أيسورو" كخدمة مؤجرة بالظهور في المنتديات غير المشروعة، بسعر يبدأ من 150 دولارًا في اليوم.
كل هذه التطورات، إلى جانب الثغرات الأمنية المستمرة، تنذر بكارثة رقمية شبيهة بما سماه بانيتا "الهجوم الكبير"، بحسب الخبراء.
ويقول فيل تونكين، كبير مسؤولي التكنولوجيا الميدانيين في شركة "دراغوس" المتخصصة بحماية البنية التحتية: "ليست مبالغة. مع ترابط الأنظمة بشكل أكبر، بات بإمكان هجمات الفدية العادية أن تتسبب بتأثيرات تشغيلية ضخمة. الهجوم الكبير قد لا يكون دراميًا بل مجرد فشل واسع نتيجة ضربة واحدة في الوقت الخطأ".
(ترجمات)