الاستيقاظ يوميًا من دون رغبة في الذهاب إلى العمل، وعدّ الساعات حتى انتهاء الدوام، والعودة إلى المنزل من دون طاقة حتى للأنشطة التي نحبها.. قد تبدو أعراضًا لإرهاق عابر، لكنها في بعض الحالات قد تكون إشارات إلى الوصول لمرحلة الاحتراق النفسي أو الوظيفي "Burnout".
وخلال حلقة من بودكاست Mental Talk على قناة ومنصة "المشهد" مع الإعلامية ريتا دبابنة، أوضحت الأخصائية النفسية إيلينا حداد أن مجرد عدم الرغبة في الذهاب إلى العمل لا يعني تلقائيًا أن الشخص يعاني من الاحتراق النفسي، مشيرة إلى أن التشخيص يرتبط باستمرار مجموعة من الأعراض لفترة طويلة قد تمتد لأشهر أو حتى عام.
3 علامات أساسية
بحسب حداد، يقوم الاحتراق النفسي على 3 مؤشرات رئيسية، أولها الاستنزاف الجسدي والنفسي المستمر، بحيث يشعر الشخص بأنه بلا طاقة ولا رغبة في الذهاب إلى العمل أو التعامل مع زملائه.
أما المؤشر الـ2 فهو الانفصال النفسي عن العمل، حين يفقد الموظف حماسه تجاه المهام والمشاريع التي كان يهتم بها سابقًا، ويصبح إنجازها بالنسبة إليه مجرد عبء.
ويتمثل المؤشر الـ3 في تراجع الشعور بالإنجاز والمكافأة، إذ قد يكون الشخص ناجحًا ومتميزًا في عمله، لكنه لا يعود قادرًا على رؤية قيمة ما يقدمه، ويشعر بأن ما يفعله "غير كافٍ" مهما بذل من جهد.
وعندما تجتمع هذه العلامات وتستمر فترة طويلة، قد يتحول الإرهاق اليومي إلى احتراق نفسي فعلي.
Watch on YouTube
هل تكفي إجازة قصيرة؟
من أكثر النصائح شيوعًا للشخص المستنزف: "خذ يومين إجازة وستتحسن"، إلا أن حداد تؤكد أن الراحة وحدها لا تعالج المشكلة.
فالإجازة قد تساعد الشخص على تجاوز ضغط مؤقت ناتج عن مشروع أو فترة عمل مكثفة، لكنها لا تعالج الاحتراق المزمن إذا بقيت أسبابه قائمة.
كما أن الابتعاد عن المكتب مع الاستمرار في متابعة البريد الإلكتروني أو الحديث مع الزملاء بشأن العمل لا يُعد راحة حقيقية، لأن العقل يبقى متصلًا بمصدر الضغط.
"لا" ليست تمردا
وتضع حداد الحدود المهنية في مقدمة خطوات التعافي، سواء من خلال الفصل بين وقت العمل والحياة الشخصية أو معرفة اللحظة التي يجب فيها رفض مهمة إضافية.
لكن كلمة "لا" قد تبدو مكلفة في بيئة العمل، لذلك توضح أن وضع الحدود لا يعني رفض المدير أو التهرب من المسؤولية، بل شرح الواقع المهني بوضوح.
فإذا لم يكن الموظف يملك الوقت أو الطاقة الكافية لإنجاز مهمة جديدة، يمكنه توضيح أولوياته الحالية والمهام التي يعمل عليها، بدل التعامل مع الرفض وكأنه موقف شخصي.
وبهذا المعنى، لا تصبح "لا" رفضًا للعمل، بل طريقة لتنظيم الوقت والطاقة وحماية الإنتاجية.
وقد يواجه الأشخاص خلال التعافي أيامًا يعود فيها الإرهاق أو الضيق فجأة، ما يدفعهم إلى الاعتقاد بأن كل التقدم الذي حققوه قد اختفى.
إلا أن حداد تؤكد أن رحلة التعافي لا تسير في خط مستقيم، فالإنسان يتأثر بالأحداث والأخبار والعلاقات والضغوط الخارجية.
وبالتالي، فإن يومًا سيئًا أو انتكاسة مؤقتة لا تعني فشل التعافي، بل قد تكون استجابة طبيعية لحدث أو ذكرى أو ضغط معين.
والأهم، بحسب حداد، أن يسأل الشخص نفسه عما حدث في ذلك اليوم تحديدًا، وأن يسمح لنفسه بالشعور بالتعب وأخذ استراحة، ثم يعود إلى المسار الذي بدأه.
هل يجب ترك العمل؟
ولا يعني الشعور بالاحتراق النفسي أن الحل هو الاستقالة فورًا.
فترك الوظيفة من دون فهم الأسباب أو تغيير طريقة التعامل مع الضغوط قد يؤدي إلى تكرار المشكلة نفسها في مكان عمل جديد.
كما أن النجاح أو حب الوظيفة لا يحميان الشخص من الاحتراق النفسي، إذ يمكن لشخص ناجح ومحب لعمله أن يصل إلى حالة استنزاف مزمن.
كذلك لا يشكل العمل من المنزل حماية مضمونة من الاحتراق، خصوصًا عندما تختفي الحدود بين أوقات العمل والراحة.
متى يصبح التعب مشكلة؟
الفرق الأساسي بين التعب الطبيعي والاحتراق النفسي يكمن في الاستمرارية.
فالجميع يشعر بالإرهاق أحيانًا، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الاستنزاف هو الوضع الطبيعي للحياة اليومية، ويستمر لأشهر، ولا تعود عطلة نهاية الأسبوع أو النوم كافيين لاستعادة الطاقة.
وهنا قد لا يكون السؤال الحقيقي: "هل أحتاج إلى الراحة؟"، بل: هل أحتاج فقط إلى أن أرتاح.. أم إلى تغيير الطريقة التي أعيش وأعمل بها؟
(المشهد)
