"تعبت وقرفت" كانت من آخر كلمات الشاب اللبناني موسى الشامي الذي قرر وضع حدّ لحياته الأربعاء.
في خلال الساعات الماضية، انتشر في لبنان تسجيل صوتي للشامي وُصف بأنه "يَهُزّ العروش"، أرسله لأحد أصدقائه قبل لحظات من إقدامه على الانتحار لعدم قدرته على تحمّل الوضع المعيشي.
وبصوتٍ حزين وغصّة، طلب من صديقه الاعتناء بزوجته وطفليه، قائلا: "لم أعد قادراً على التحمّل، تعبت، سامحني، واجعل الكل يسامحوني، ولا تدع أحداً يتحدث عني بالسوء".
تابع الشامي: "دعاء وجواد وجوري أمانة برقبتك، أهم شيء جوري هي الغصّة، لكن لم أعد قادرا على التحمّل، تعبت وقرفت".
هذه ليست حالة الانتحار الأولى في لبنان في الآونة الأخيرة، حيث تكرر هذه الحالات في لبنان منذ سنوات لليوم.
أسباب نفسية - اجتماعية
في هذا الإطار، أشارت الأخصائية النفسية والعضو المؤسس في جمعية "إمبريس" للصحة النفسية، والتي لديها خطوط ساخنة للتبليغ والاستشارات المتعلقة بالصحة النفسية والميول الانتحارية ميا عطوي إلى أن "90% من حالات الانتحار تعود لأسباب ومشاكل نفسية يعاني منها الشخص كالاكتئاب أو القلق أو الفصام أو تعاطي الكحول أو المخدرات".
وتابعت في حديث لمنصة "المشهد":
- في لبنان زادت الأوضاع الاجتماعية والمعيشية الصعبة والخسارات المتراكمة من الضغوط على الصحة النفسية.
- لا صحة نفسية عند غياب المحددات الاجتماعية أو الاقتصادية والأمان الاجتماعي.
- لا يرتبط الانتحار بشكل مباشر بالضيقة الاقتصادية، وإلا فكل من يشعر بضيقة سينتحر، بل هناك عوامل نفسية.
- العوامل الاجتماعية هي أيضا محفز لذلك.
في المقابل، رأت المعالجة النفسية ريما بجاني لمنصة "المشهد" أن "المحفز الرئيس للانتحار اليوم هو الوضع الاقتصادي، عدم إيجاد حلول للمشاكل المعيشية، غموض حول المستقبل، وهذا ما يسبب عدم انتظام نفسي، بالإضافة إلى عدم جهوزية الإنسان على تخطي المشاكل".
لا أرقام رسمية
عام 2021، أظهرت دراسة حول حالات الانتحار خلال الفترة الممتدة من يناير 2008 إلى ديسمبر 2018، أعدها 7 أطباء نفسيين في لبنان، ونشرت في المجلة الآسيوية للطب النفسي أن شخصا ينهي حياته كل يومين ونصف في ظل الظروف الصعبة.
بينما، ذكرت شركة "الدولية للمعلومات" اللبنانية في تقرير صدر اليوم:
- الأيّام والأسابيع المنصرمة شهدت ارتفاعا ملحوظا في حوادث الانتحار المسجّلة رسميا، ما أعطى انطباعا بارتفاع هذه الحوادث مقارنة بالفترة السّابقة.
- مراجعة حوادث الانتحار بالأرقام تفيد عكس ذلك، إذ تراجعت حوادث الانتحار خلال العام 2022 (139 حالة) مقارنة بالعام 2021 (145).
- متوسّط حوادث الانتحار وصل سنويّاً خلال الأعوام 2013- 2022 إلى 143 حادثة.
- والعدد الأكبر سجّل في العام 2019 إذ بلغ 172 حادثة، أمّا العدد الأدنى فهو 111 حادثة سجّلت في العام 2013.
وسط كلّ هذه الأرقام "لا توجد إحصاءات أو دراسات وطنية في لبنان حول نسبة زيادة المشاكل النفسية أو نسب الانتحار في البلاد"، وفق عطوي.
ولفتت إلى أنه "وفق إحصاءات قديمة وتعود إلى 15 عاما، فـ25% من اللبنانيين يعانون من مرض نفسي معيّن، لكن اليوم هذه المشكلة ممكن أن تكون قد ارتفعت".
وضع معيشي مأساوي
ونشير إلى أنه منذ عام 2019، يعاني لبنان من أزمة اقتصادية طاحنة غير مسبوقة أدت إلى انهيار قياسي في قيمة العملة المحلية مقابل الدولار، وشح في الوقود والأدوية، وخسارة اللبنانيين أموالهم في المصارف، وإقفال مئات المؤسسات التجارية مع ارتفاع مستوى البطالة.
ومن هنا، ذكرت عطوي أنه "منذ عام 2019، شهدنا طلبا كبيرا لخدمة الصحة النفسية في العيادات، لكن هذا الطلب ينحصر بأماكن معينة نتيجة انخفاض عدد مقدمي الخدمات نتيجة الهجرة الكبيرة من 2019 لليوم".
ولفتت إلى أن:
- الناس تشتكي من أعراض نفسية أكثر من السنوات السابقة.
- الضغوطات المادية تؤدي إلى ضغوطات عائلية وتوترات وزيادة العنف والقلق من المستقبل وهذه كلها عوامل مؤثرة على الصحة النفسية.
من جهتها، ذكرت بجاني أنه "خلال السنوات الماضية احتل لبنان المراكز الأولى عالميا من حيث الاكتئاب والقلق وتناول الأدوية المضادة لذلك نتيجة الأوضاع".
كما أنه وفق "ستاتيستا":
- احتل لبنان المرتبة 2 بعد أفغانستان في مؤشر التعاسة.
- اللبنانيون من أكثر 10 شعوب توترا وحزنا في العالم.
- معظم البلدان التي حصلت على أعلى الدرجات في مؤشر التعاسة كانت تتعامل مع نوع من عدم الاستقرار الاقتصادي أو السياسي في عام 2021.
عدوى الانتحار
"عدم القدرة على تحمل الوضع" كان السبب الأبرز وراء عمليات الانتحار مؤخرا، وهنا جزمت عطوي أن هنا دراسات توثق وجود "عدوى الانتحار".
ولفتت إلى أن "السبب الأساس هو تناول الموضوع في الإعلام، وهنا تلعب التوعية ومعرفة توجيه الناس للاختصاصيين دورا مهما لمساعدة المريض".
تصرفات قبل الانتحار
قد يعطي الشخص اليائس والمفكر بالانتحار العديد من العلامات التي تُعدّ كجرس إنذار لحالته منها:
- فقدان الأمل.
- اليأس الشديد.
- غياب مصادر الدعم.
- انخفاض مستوى الطاقة.
- تغير سلوكه وأداؤه.
- قلة الإنتاج.
هل يمكن استباق ذلك؟
تنقسم خطوات الوقاية إلى 2، الأولى من الشخص تجاه نفسه والثانية من أي شخص آخر تجاه المفكر بالانتحار.
تجاه الذات:
أين نقاط ضعفي؟ كيف أنفعل تجاه ما يزعجني والمشاكل؟ كيف أفكر فيها؟ هذه الأسئلة من المهم أن يسألها أي شخص لنفسه عندما يكون بحالة هادئة، لأن عند وجود الأفكار السلبية لن يستطيع ذلك.
وهنا، ذكرت بجاني أن من خلال هذا الأمر يستطيع الإنسان التفكير بإيجابية، وتقدير حجم أي مشكلة تواجهه وإيجاد الحلول لها، فهما كبرت المشكلة الحل موجود لها.
تجاه الآخر:
بينما، ذكرت عطوي أنه "عند ملاحظة أي من عوامل الانتحار لدى أي شخص أو السماع أنه يفكر بالموت لا يجب تجاهل الأمر".
ودعت إلى تشجيعه على تلقي المساعدة والاتصال بالرقم الساخن للجمعية 1564 والذهاب إلى معالج نفسي، بالإضافة إلى عدم تركه وحده مع أفكاره الانتحارية".
(المشهد)
