هل المرض النفسي وراثي؟ فيديو يكشف علاقة الجينات بالاكتئاب والقلق

آخر تحديث:

شاركنا:
معرفة التاريخ المرضي للعائلة يمكن أن تساعد في اكتشاف المشكلة مبكرا
هايلايت
  • معظم الأمراض النفسية لها مكوّن وراثي لكن لا نرث المرض نفسه.
  • الجينات تمنح استعدادا ولا تعني حتمية الإصابة.
  • البيئة والتجارب والضغوط تؤثر في ظهور المرض.
  • غياب التاريخ العائلي لا يعني غياب الاستعداد الوراثي.

يثير الحديث عن الأمراض النفسية والوراثة كثيرا من المخاوف لدى المرضى وأفراد عائلاتهم، خصوصا عندما يكون أحد الوالدين مصابا بالاكتئاب أو القلق أو أحد الاضطرابات النفسية. فهل يرث الأبناء المرض النفسي نفسه، أم أنهم يرثون فقط استعدادا للإصابة به؟ وما الدور الذي تلعبه البيئة والتجارب الحياتية في ظهور هذه الاضطرابات؟

في حلقة جديدة من بودكاست "منتال توك"، استضافت الإعلامية ريتا دبابنة استشاري الطب النفسي الدكتور ميشال ضاهر، لمناقشة العلاقة بين الجينات والصحة النفسية، وما إذا كان وجود تاريخ مرضي في العائلة يعني أنّ الأبناء محكوم عليهم بتكرار التجربة نفسها.

هل نرث المرض النفسي؟

قال الدكتور ميشيل ضاهر، إنّ معظم الاضطرابات النفسية لديها مكون وراثي، لكن هذا لا يعني أنّ وراثة جين معين تؤدي حتما إلى الإصابة بمرض نفسي.

وأوضح أنّ نسبة الوراثة تختلف من اضطراب نفسي إلى آخر، مشيرا إلى أنّ الفصام، واضطراب ثنائي القطب، واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، والتوحد، لديها قابلية وراثية كبيرة، بينما تكون الوراثة أقل في حالات مثل الاكتئاب والقلق والتوتر.

وأضاف ضاهر أنّ فهم المرض النفسي يتطلب النظر إلى التفاعل بين الجينات والتجارب التي يمر بها الإنسان خلال حياته.

Watch on YouTube

وعن معنى أن يكون المرض النفسي "وراثيا"، أوضح: "وراثي يعني شخص بيحمل جينات"، مشددا على أنّ الأمراض النفسية لا تنتج عن جين واحد، وإنما عن مجموعة كبيرة من المتغيرات الجينية.

وقال إنّ هذا المزيج من الجينات يمكن أن يمنح الشخص استعدادا للإصابة باضطراب نفسي، لكنه لا يعني أنّ الإصابة ستحدث حتما، مؤكدا: "نحن ما بنورث المرض، بنورث القابلية إنه يصير عنا هالمرض".

أم مصابة بالاكتئاب.. هل ترث ابنتها المرض؟

وتناول ضاهر مخاوف أحد المتابعين الذي يعاني من الاكتئاب ويخشى أن تسلك ابنته الطريق نفسها، مؤكدا أنّ خوف الأهل على أبنائهم في هذه الحالة مفهوم، لكنه شدد على أنّ وجود استعداد وراثي لا يعني حتمية إصابة الطفل بالاكتئاب.

وقال إنّ وجود أم تعاني من الاكتئاب وتتعالج منه وتنتبه إلى ابنتها، يمكن أن يكون "عامل حماية" وليس بالضرورة عامل خطر.

وحذر في الوقت نفسه من المبالغة في مراقبة الأطفال بحثا عن أعراض الاكتئاب، قائلا إنّ الأهل لا يجب أن يراقبوا كل تحركات الطفل ويحللوا كل تصرفاته بشكل مبالغ فيه.

وأشار إلى أنّ مراحل الطفولة والمراهقة تتضمن بطبيعتها تغيرات في المشاعر والهرمونات، ومن المهم التمييز بين هذه التغيرات الطبيعية وبين الأعراض التي تستدعي الانتباه والتقييم.

ما أسباب الأمراض النفسية؟

وأوضح ضاهر أنّ الاستعداد الوراثي يمثل جزءا واحدا فقط من الصورة، إذ لا بد من وجود عوامل خطر أخرى حتى يظهر الاضطراب النفسي.

وقسّم هذه العوامل إلى عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، موضحا أنّ العوامل البيولوجية قد تبدأ قبل ولادة الإنسان، من خلال ما يحدث للأم أثناء الحمل، أو ظروف الولادة، إضافة إلى بعض الأمراض أو الأدوية التي قد يتعرض لها الشخص.

وأضاف أنّ الأمراض المزمنة، والآلام المزمنة، وتعاطي المخدرات أو الكحول، يمكن أن تزيد أيضا من خطر الإصابة باضطرابات نفسية.

أما على المستوى النفسي والاجتماعي، فأشار إلى عوامل عدة، بينها الصدمات، والعزلة، والفقر، وغياب الأهل، والإهمال، والعنف المنزلي، والتنمر، والعزلة الاجتماعية.

لماذا يصاب أحد الإخوة دون الآخر؟

وعن سبب إصابة شخص باضطراب نفسي داخل العائلة، بينما لا يصاب شقيقه رغم نشأتهما في المنزل نفسه، أوضح ضاهر أنّ الإخوة لا يتشاركون الجينات نفسها بالكامل، وبالتالي يمكن أن تختلف درجة الاستعداد الجيني بينهم.

وقال إنّ الإنسان قد يرث ما يسمى "حساسية على التوتر"، إضافة إلى بعض سمات الشخصية التي تجعله أكثر عرضة للتأثر بضغوط الحياة وكيفية التعامل معها.

وأضاف أنّ مشاركة الإخوة للبيئة نفسها، لا تعني أنهم عاشوا التجربة نفسها، موضحا أنّ علاقة كل شخص بأهله قد تكون مختلفة، كما أنّ أحد الأطفال قد يتعرض خارج المنزل لصدمات أو ضغوط أو تنمر، لا يتعرض لها شقيقه.

وأشار كذلك إلى اختلاف القدرات على بناء العلاقات الاجتماعية، أو وجود صعوبات تعلّم لدى أحد الأطفال دون الآخر.

وأكد ضاهر أنّ الإنسان قد يولد ويعيش في البيت نفسه، لكنه لا يشارك بالضرورة أفراد أسرته التجارب نفسها، ولذلك فإنّ العلاقة بين الاستعداد الوراثي والتجربة الحياتية "خليط شوي معقد".

المرض النفسي مسؤولية المريض؟

وخلال الحلقة، تحدثت ريتا دبابنه عن تجربتها الشخصية مع تشخيص اضطراب القلق، وكيف دفعها الحديث عن وجود جانب جيني للمرض إلى البحث عن تاريخ مرضي في عائلتها، رغبةً في معرفة ما إذا كان هناك شخص آخر عانى من القلق أو الاكتئاب.

وأوضحت أنّ فكرة أن يكون المرض مرتبطا بالجينات قد تبدو صعبة، خصوصا في عائلات لم يكن فيها وعي كافٍ بالصحة النفسية، إذ كانت بعض الحالات لا تُعتبر مرضا من الأساس.

ورد ضاهر بأنّ غياب تاريخ واضح للمرض النفسي داخل العائلة لا يعني بالضرورة عدم وجوده، مشيرا إلى أنّ بعض الحالات قد تكون خفيفة أو غير مشخصة، كما أنّ بعض العائلات قد تخفي وجود حالات مشخّصة عن بقية أفراد الأسرة.

أما عن فكرة أنّ معرفة الجانب الوراثي للمرض، قد ترفع المسؤولية عن المريض، فقال ضاهر إنّ الأمر لا يتعلق بالمسؤولية أصلا، موضحا أنّ الشخص الذي يعاني من القلق أو الاكتئاب "ما عليه مسؤولية"، لأنه لم يفعل شيئا تسبب في مرضه.

وقال إنّ الحالة النفسية تنتج عن التجربة التي مر بها الإنسان طوال حياته، "من وقت ما كان ببطن أمه للضغوط الحالية بحياته"، إلى جانب الاستعدادات والعوامل الأخرى التي يمكن أن تؤثر في ظهور الاضطراب.

5 خرافات حول وراثة المرض النفسي

وتناول ضاهر خلال الحلقة مجموعة من الأفكار الشائعة حول وراثة الأمراض النفسية، موضحا أنّ الاعتقاد بأنّ إصابة الأم أو الأب بمرض نفسي تعني حتما إصابة الأبناء هو "خرافة".

وقال إنّ وجود مرض نفسي لدى أحد الوالدين يزيد الاستعداد للإصابة، لكنه لا يعني أنّ الأبناء سيرثون المرض بشكل مؤكد.

كما اعتبر أنّ الاعتقاد بعدم إمكانية وراثة المرض في حال عدم وجود تاريخ مرضي معروف في العائلة، هو أيضا "خرافة"، لأنّ التاريخ العائلي قد لا يكون معروفا بشكل كامل.

وفي المقابل، أكد أنّ إمكانية وراثة الاستعداد للمرض من دون الإصابة به فعليا، هي "حقيقة"، لأنّ الاستعداد الجيني وحده لا يكفي لتطور المرض، بل يحتاج إلى التفاعل مع البيئة والضغوط الحياتية وعوامل أخرى.

وأكد كذلك أنّ البيئة والتربية يمكن أن تغيرا تأثير الوراثة، وأنهما قد تكونان عوامل خطر أو عوامل حماية.

كما شدد على أنّ معرفة التاريخ المرضي للعائلة، يمكن أن تساعد في اكتشاف المشكلة مبكّرا، لأنّ معرفة وجود حالات سابقة قد تدفع إلى الانتباه أكثر إلى الأعراض وإجراء التشخيص في وقت مبكّر.

هل يجب أن يخبر الأهل أبناءهم بمرضهم النفسي؟

وأكد ضاهر أهمية إخبار الأبناء بوجود اضطراب نفسي لدى أحد الوالدين، لكن بطريقة تتناسب مع عمر الطفل وقدرته على الفهم.

وأوضح أنّ وجود أحد الوالدين مصابا باضطراب نفسي قوي، قد يؤثر في أجواء المنزل، وقد يجعل الأطفال يشعرون بالخوف أو الحيرة إذا لم يفهموا ما الذي يحدث.

وبالنسبة إلى الأطفال الصغار، أوضح أنه يمكن شرح الأمر بطريقة بسيطة يفهمونها، مثل أن يقال لهم إنّ الأم أو الأب، يمر بحالة تجعله أحيانا يشعر بالتعب أو الحزن أو يفقد طاقته.

وشدد على أهمية شرح الأمر للطفل بدلا من تركه يبني تفسيره الخاص لما يحدث داخل المنزل، لأنّ الأطفال قد يعتقدون أنّ لهم علاقة بالمشكلة أو أنهم السبب فيها، ما قد يدفعهم إلى الشعور بالذنب.

أما بالنسبة إلى المراهقين، فأشار إلى أنه يمكن تقديم معلومات أكثر وضوحا، بما في ذلك التشخيص إذا كان ذلك مفيدا، مع طمأنتهم في الوقت نفسه، بأنّ هناك خطة علاجية وأطباء مختصين يتابعون الحالة.

وأوضح ضاهر أنّ الطفل في سن مبكّرة، يميل إلى ربط كل ما يحدث حوله بنفسه، ولا يستطيع دائما فهم أنّ هناك أحداثا وظروفا في الحياة لا علاقة له بها.

وقال إنّ الأطفال لديهم استعداد لتحميل أنفسهم الذنب، وإذا لم يحصل نقاش وتوعية داخل الأسرة، فقد يكبر هذا الشعور معهم.

لذلك، شدد على ضرورة تقديم تفسير صحيح ومناسب لعمر الطفل، حتى لا يترك الأهل له مساحة لبناء رواية خاطئة حول مرض أحد الوالدين أو تحميل نفسه مسؤولية ما يحدث.

الخوف من الإنجاب بسبب التاريخ المرضي

وعن الأشخاص الذين يخشون الإنجاب بسبب وجود تاريخ مرضي نفسي في العائلة، قال ضاهر، إن الخوف في هذه الحالة مفهوم، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى سبب يمنع الإنسان من اتخاذ قرارات مهمة في حياته.

وأضاف أنّ هذه الفكرة لا تنطبق على الأمراض النفسية فقط، بل على الأمراض الأخرى التي قد يكون لها مكون وراثي أيضا.

وقال إنّ القرار يجب ألا يكون مبنيا على الخوف، بل على الفهم، مشيرا إلى إمكانية الاستعانة بأطباء متخصصين في الاستشارات الوراثية عندما يكون هناك تاريخ عائلي قوي.

وأوضح أنّ هؤلاء المختصين يستطيعون مساعدة الشخص على فهم درجة الخطر، وما الخيارات المتاحة في حال ظهور المرض، وما العلاجات الموجودة، إضافة إلى عوامل الحماية التي يمكن العمل عليها.

وختم ضاهر بالتأكيد أنّ "الخوف مفهوم، بس القرار ما لازم يكون مبني بس على الخوف".

وتخلص الحلقة إلى أنّ الجينات قد تمنح الإنسان استعدادا للإصابة باضطراب نفسي، لكنها لا تكتب بالضرورة مصيره. وبين الجينات وظهور المرض، تتداخل عوامل عديدة، من بينها البيئة، والتربية، والتجارب الحياتية، والضغوط، والوعي، والدعم والتدخل المبكّر.

(المشهد)