إيران والرهان على سلاح مضيق هرمز!

آخر تحديث:

شاركنا:
مضيق هرمز أصبح آخر أوراق النفوذ الإستراتيجية التي تراهن عليها طهران (رويترز)

لا شك في أن الصراع بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية دخل خلال الأسابيع الماضية مرحلة بالغة الحساسية، وذلك بعدما انهار وقف إطلاق النار الذي راهن كثيرون على أن يشكل، ولو مؤقتًا، مدخلًا إلى تهدئة أكثر استدامة. إلا أن التطورات الأخيرة جاءت على النقيض من تلك التوقعات، إذ عادت المواجهات من جديد واتسعت رقعتها، لتدخل المنطقة، ومعها الاقتصاد العالمي، في حالة من عدم اليقين بسبب غموض مسار الحرب وأهدافها ونهاياتها المحتملة.

هرمز.. آخر أوراق القوة الإيرانية

عندما اندلعت هذه الحرب في 28 فبراير الماضي، تمحورت الأهداف الأميركية المعلنة حول تحييد البرنامج النووي الإيراني وإضعاف قدراته العسكرية. وفي المقابل، استندت قوة إيران إلى 3 عناصر رئيسية: برنامجها النووي، وترسانتها من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وشبكة أذرعها الإقليمية، التي كانت قد تعرضت لتراجع ملحوظ في فعاليتها منذ هجوم 7 أكتوبر وما أعقبه من تطورات.

أما اليوم، ومع دخول الصراع جولة جديدة، فقد تبدلت معادلات المواجهة بصورة لافتة. فبعد الضربات التي استهدفت البرنامج النووي، وتراجع فاعلية بعض القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية، وانحسار الدور العملياتي للأذرع الإقليمية، تحول الصراع بصورة متزايدة نحو معركة السيطرة على مضيق هرمز، وخصوصا في ظل إعلان إيران عن إغلاقه بالقوة، والحديث عن فرض رسوم على السفن العابرة له.

وبناءً على هذه التطورات، يمكن القول إن مضيق هرمز أصبح آخر أوراق النفوذ الإستراتيجية التي تراهن عليها طهران، الأمر الذي يطرح سؤالًا جوهريًا: إلى أي مدى يمكن أن يكون هذا الرهان مفيدًا لإيران؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال، لا بد من التذكير بأن مضيق هرمز يعد أحد أهم الممرات البحرية الإستراتيجية في العالم، إذ يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، فضلًا عن كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، وهذا ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة فيه ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. ولذلك، فإن لجوء إيران إلى استخدام المضيق كورقة ضغط، سواء عبر إغلاقه أو فرض رسوم على السفن العابرة، لا يقتصر تأثيره على الولايات المتحدة أو حلفائها، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره، بما في ذلك الدول الآسيوية التي تعد من أكبر المستوردين للنفط الخليجي.

لماذا يبدو الرهان على هرمز خاسرًا؟

يمكن القول إن مضيق هرمز يمثل سلاحًا ذا حدين. فصحيح أن إيران تنظر إليه باعتباره أهم أوراق القوة التي تمتلكها في الوقت الراهن، غير أن هذا الرهان قد يتحول إلى رهان خاسر على المدى المتوسط والبعيد للأسباب التالية:

  • أولًا: الإضرار بالاقتصاد الإيراني قبل غيره

تعتمد إيران، على الرغم من العقوبات الدولية عليها، على تصدير النفط والمنتجات البتروكيميائية عبر مضيق هرمز. وبالتالي، فإن أي إغلاق طويل للمضيق أو تعطيل لحركة الملاحة فيه سيؤثر سلبًا في صادراتها وإيراداتها من العملة الصعبة، وهو الأمر الذي يزيد الضغوط على اقتصاد يعاني أصلًا من التضخم وتراجع الاستثمارات.

  • ثانيًا: استفزاز المجتمع الدولي وليس الولايات المتحدة وحدها

لن يقتصر تأثير إغلاق المضيق أو فرض رسوم أحادية على السفن على المصالح الأميركية وحدها، بل سيمتد إلى الاقتصادات الآسيوية والأوروبية، وفي مقدمتها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، وهي دول ترتبط بعلاقات اقتصادية مهمة مع إيران. ومن ثم، قد تجد طهران نفسها في مواجهة جبهة دولية واسعة تمارس ضغوطًا متزايدة لضمان حرية الملاحة في هذا الممر الحيوي.

  • ثالثًا: منح الخصوم مبررًا لتصعيد عسكري أكبر

يعد الحفاظ على حرية الملاحة أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي، وهو ما تؤكد عليه اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982. ولذلك، فإن أي محاولة لإغلاق المضيق قد تُستخدم مبررًا لتشكيل تحالفات بحرية دولية وتنفيذ عمليات عسكرية متعددة الجنسيات تستند إلى قرارات دولية تحت شعار حماية أمن الملاحة الدولية، الأمر الذي يرفع كلفة المواجهة على إيران ويوسع دائرة خصومها ويشرع الحرب عليها.

  • رابعًا: تسريع البحث عن بدائل إستراتيجية للمضيق

في 17 يوليو 1913 قال ونستون تشرشل أمام مجلس العموم البريطاني "إن أمن النفط ويقينه يكمنان في التنوع، وفي التنوع وحده." وربما تنطبق هذه المقولة اليوم أكثر من أي وقت مضى، إذ إن استخدام مضيق هرمز كأداة ضغط يدفع الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة إلى تسريع الاستثمار في خطوط أنابيب ومسارات بديلة تقلل الاعتماد عليه. وهو ما بدأ يظهر بالفعل على أرض الواقع في الفترة الماضية من خلال التوسع في استخدام موانئ خارج المضيق، مثل ميناء الفجيرة في دولة الإمارات، بالإضافة إلى مشاريع الربط عبر البحر الأحمر والبحر المتوسط.

  • خامسًا: تحويل آخر أوراق القوة إلى ورقة استنزاف

يعتبر المفكر العسكري الصيني صن تزو في كتاب فن الحرب أن "أسمى مراتب الحرب هي إخضاع العدو من دون قتال". وهذه القاعدة تنطبق إلى حد كبير على مضيق هرمز، إذ إن قيمته كقوة إستراتيجية تكمن في التهديد بإمكانية تعطيله أكثر من تعطيله فعليًا. أما الانتقال من التهديد إلى التنفيذ، فقد يحوله من ورقة قوة إلى ورقة استنزاف سياسي وعسكري واقتصادي، في وقت تحتاج فيه طهران إلى الحفاظ على ما تبقى من أدوات القوة والتفاوض.

الرهان الذي قد يهدد بقاء النظام الإيراني

إذا كانت الأسباب السابقة تفسر لماذا قد يتحول مضيق هرمز إلى رهان خاسر، فإن الأخطر من ذلك يتمثل في التداعيات الإستراتيجية لهذا الخيار على مستقبل النظام الإيراني نفسه. فالإصرار على تحويل أحد أهم الممرات البحرية في العالم إلى أداة دائمة للضغط السياسي والعسكري لن يُنظر إليه باعتباره مجرد خطوة تكتيكية في سياق نزاع إقليمي، بل باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمن الطاقة العالمي ولسلامة التجارة الدولية.

وعندها، لن تجد طهران نفسها في مواجهة الولايات المتحدة وحدها، بل في مواجهة إرادة دولية أوسع، تضم دولًا قد تختلف في مواقفها السياسية، لكنها تتفق على حماية حرية الملاحة وضمان استمرار تدفق الطاقة عبر أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي. ومن شأن ذلك أن يزيد الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية على إيران، وأن يدفع حتى بعض شركائها إلى إعادة النظر في مواقفهم، انطلاقًا من مصالحهم الإستراتيجية قبل أي اعتبارات أخرى.

أما الأخطر من كل ذلك، فهو أن هذا الرهان قد يجعل من النظام الإيراني عبئًا على الاستقرار العالمي، وعلى حلفائه قبل خصومه. فالدول قد تختلف في مواقفها من السياسات الإيرانية، لكنها لا تختلف على حماية أمن الطاقة العالمي وحرية الملاحة الدولية. وإذا ما ترسخ الانطباع بأن طهران أصبحت مصدر تهديد دائم لهذا الشريان الحيوي، فإنها قد تجد نفسها في مواجهة توافق دولي غير مسبوق، لا يستهدف فقط احتواء سياساتها، بل الحد من قدرتها على استخدام مضيق هرمز كورقة نفوذ.

لذلك، فإن على صانع القرار الإيراني أن يدرك اليوم، وقبل فوات الأوان، أن العالم قد يتسامح مع كثير من الأزمات، لكنه لن يقبل بأن يبقى الاقتصاد العالمي رهينة لقرارات أحادية تمس أحد أهم الممرات البحرية في العالم. لذلك فإن الرهان على مضيق هرمز قد يمنح طهران مكاسب تكتيكية محدودة في المدى القصير، لكنه قد يتحول في المقابل إلى خطأ إستراتيجي يسرّع عزلتها الدولية، ويستنزف قدراتها، ويحوّل آخر مكامن القوة التي يمتلكها النظام الإيراني إلى أحد أخطر التهديدات التي قد تواجه بقاءه.

وهنا تكمن المفارقة الإستراتيجية، فالتاريخ يثبت أن الأنظمة لا تدخل مرحلة الخطر عندما تخسر بعض عناصر قوتها، وإنما عندما تُسيء استخدام آخر أوراقها الإستراتيجية. وقد يكون مضيق هرمز اليوم آخر هذه الأوراق بالنسبة إلى إيران، لكن سوء توظيفه قد يجعل منه نقطة التحول الكبرى التي تنتقل فيها طهران من امتلاك ورقة قوة إلى مواجهة تهديد وجودي يطال النظام نفسه.