التسريبات التي أوردتها صحيفة "وول ستريت جورنال" حول التهديدات الإيرانية بضرب البنية التحتية المدنية لدول الخليج في حال تعرضت طهران لهجوم أميركي أو إسرائيلي، تكشف عن خلل بنيوي عميق في "البوصلة الإستراتيجية" الإيرانية. نحن هنا أمام مفارقة سياسية تفتقر لأدنى درجات المنطق؛ فبدلاً من توجيه رسائل الردع المزعومة نحو الخصم الفعلي الذي يهددها، تختار القيادة في طهران تحويل جيرانها إلى رهائن.
يحدث هذا في تجاهل تام لحقيقة ساطعة، وهي أن هذه العواصم الخليجية والعربية هي ذاتها التي رفضت الانخراط في أي خيارات عسكرية ضد طهران، وقادت ولا تزال حراكاً دبلوماسياً شاقاً لتجنيب الإقليم ويلات الانفجار الشامل.
بالاحتكام إلى العقل، يبدو التلوّيح باستهداف المطارات وخطوط الطاقة الخليجية وكابلات الإنترنت بمثابة إعلان إفلاس جيوسياسي. إن عقيدة "تصدير الأزمات" وابتزاز الجوار، التي دأبت طهران على ممارستها عبر أذرعها الإقليمية وميليشياتها المسلحة التي تتقاطع في أهدافها التخريبية دائماً مع تيارات الإسلام السياسي، لم تعد قادرة على إخفاء الانكشاف الداخلي. التهديد بحرق المنطقة ليس دليل اقتدار، بل هو انعكاس لضيق الخيارات. فكيف لدولة تعاني بنيتها التحتية من تصدعات قاسية، واقتصادها يترنح تحت وطأة العقوبات والاضطرابات، أن تفتح جبهة مواجهة مع دول جوار تملك مقومات ردع إستراتيجية وعلاقات دولية قادرة على خنق أي معتدٍ؟
إن العبث بأمن الخليج واستقرار شرايين الاقتصاد العالمي ليس ورقة تكتيكية صالحة للمساومة في غرف المفاوضات. لقد أثبتت دول الخليج ومعها محور الاعتدال العربي مراراً أن الانحياز للتهدئة وتغليب لغة الحوار ينطلقان من موقع قوة ورؤية مسؤولة تضع استقرار الشعوب فوق أي اعتبار، وليس من موقع ضعف.. إن محاولة تحميل دول الخليج فاتورة صراعات عبثية لم تشارك في صنعها، هي مغامرة إيرانية غير محسوبة تعكس عقلية تقفز في الظلام..
في المحصلة، لا يمكن هندسة الأمن الإقليمي عبر سيطرة منطق الميليشيات ولغة التهديد باستهداف المدنيين ومنشآتهم.. بوصلة طهران تحتاج إلى إعادة ضبط عاجلة لتدرك أن دول الخليج تمثل صمام الأمان الأخير لمنع انزلاق الشرق الأوسط نحو فوضى لا تبقي ولا تذر، وأن استعداء هذا الجيران يمثل طلقة انتحارية تقضي بها إيران على نفسها وعلى آخر نوافذ الدبلوماسية..
