زيارة بوتين لأرخبيل الكوريل.. صراع المعادن والممرات البحرية

آخر تحديث:

شاركنا:
جزر الكوريل شعلت التوتر بين موسكو وطوكيو (رويترز)

على خلفية زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى جزيرة إيتوروب، أكبر جزر الكوريل المتنازع عليها، للمرة الأولى منذ توليه الرئاسة، أثارت هذا الزيارة احتجاجاً كبيراً من طوكيو، التي أكدت أن الجزيرة أرض يابانية تاريخياً وبموجب القانون الدولي، في وقت تنطلق موسكو من موقف ثابت بأن هذه الجزر جزء لا يتجزأ من الأراضي الروسية، وأن سيادتها حسمت تاريخياً وقانونياً بعد الحرب العالمية الـ2، لتأتي زيارة بوتين تأكيداً على ذلك.

زيارة إستراتيجية

كما أن زيارة فلاديمير بوتين لجزر الكوريل تتجاوز كونها مجرد زيارة عمل، فهي خطوة إستراتيجية محسوبة من الجانب الروسي التي أرادت من خلالها التأكد على واقع أحقيتها القانونية على الأرخبيل، إلا أن اليابانيين فوجئوا بهذه الزيارة، إذ سارعت وزارة الخارجية اليابانية إلى الاحتجاج لرفضها الاعتراف بسيادة روسيا، واستدعت السفير الروسي للاحتجاج على هذه الزيارة، كما سارعت واشنطن إلى دعم حليفتها باعترافها بسيادة اليابان على جزر الكوربل.

إلا أن طوكيو رأت في هذه الزيارة رسالة سياسية تتجاوز البعد الرمزي، وزيارة بوتين تُعتبر تثبيتاً للسيادة الروسية ومحاولة لإغلاق هذا الملف أمام مطالب اليابان التاريخية، إذ ترى موسكو أن وجودها في الأرخبيل أمر غير خاضع للتفاوض وأي اعتراض ياباني لن يغير من واقع السيطرة القائمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ومع ذلك، لم يُثر موضوع الملكية على الجزر نفسها، فقد استُقبل الرئيس بحفاوة بالغة، وأظهر الرئيس نفسه تعاطفاً كبيراً مع حياة سكان الجزر الروس، في الوقت نفسه، لم تتخلَّ موسكو عن استئناف الحوار البنّاء مع طوكيو، وهي تُقدّر حقبة شينزو آبي تقديراً كبيراً.

إلى ذلك، تبرز جزر الكوريل كعقدة حالت دون توقيع اتفاقية سلام بين روسيا واليابان منذ نهاية الحرب العالمية الـ2، وبرز الصراع حولها مجدداً في ظل الأزمة الأوكرانية، لكن ما وراء ذلك الأهمية الاقتصادية للجزر، فالأرخبيل يمتد لنحو 1,300 كيلومتر في قوس بين شبه جزيرة كامتشاتكا الروسية وجزيرة هوكايدو اليابانية، الأمر الذي يمنح روسيا موقعاً متقدماً في شمال المحيط الهادئ فضلاً عن دوره في حماية طرق بحرية ومناطق تمركز الأسطول الروسي، إلى جانب غنى الأرخبيل بالثروة السمكية ووجود رواسب معدنية وعناصر نادرة تدخل في صناعة التكنولوجيا والدفاع والطاقة، وهو ما يجعلها عقدة تعمل طوكيو على فكها لصالحها، لكن قانونية الأرخبيل وفق الأطر القانونية الدولية لا تجيز لها هذا الحق حتى لو اعترف العالم كله بسيادتها عليها.

كما لا يمكن النظر إلى زيارة بوتين إلى إيتوروب بمعزل عن السياق التاريخي، فقد جاءت زيارة الرئيس الحالية في أسوأ وقت ممكن للعلاقات الروسية اليابانية، حيث تكاد الاتصالات السياسية أن تكون متجمدة، والتعاون الاقتصادي محدود، رغم أن بوتين وجه رسالة واضحة إلى طوكيو: روسيا لا تُهدد اليابان ولا تُطالب بأي شيء ضدها، ومن شأن هذه الرسالة أن تُخفف من حدة التوتر الذي ساد الأجواء، والذي تفاقم بسبب انتقادات طوكيو للتعاون العسكري التقني بين موسكو وبكين وبيونغ يانغ.

إلا أن ثمة رسالة أخرى ذات طابع إنساني بحت، فقد استذكر بوتين، عمله مع رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي. وهذه إشارة واضحة من طوكيو: موسكو ترغب في إعادة العلاقات إلى هذا النوع من الحوار الودي القائم على الثقة، مؤكدةً على أهمية هذه العلاقة بين البلدين.

وفي الوقت ذاته، أكدت موسكو مجدداً على حرمة سيادتها على جزر الكوريل الجنوبية، رغم أن طوكيو لا تزال تطالب بأراضٍ، لكن هذه الزيارة لا تُشكل تهديداً للأمن الياباني، إذ إن روسيا تملك الجزر بشكل قانوني تماماً، والقانون الدولي يقف إلى جانبها في هذه المسألة.

الكوريل.. خط أحمر روسي

وبشكل عام، تُظهر زيارة فلاديمير بوتين إلى إيتوروب أن الحوار البنّاء لا يزال ممكناً، لكن فقط على قدم المساواة، مع الاحترام المتبادل للمصالح الوطنية للبلدين، ومع أن العودة إلى الحوار بشأن معاهدة سلام تبدو الآن بعيدة، لكن تتطلب مثل هذه القضايا الحساسة مستوى عالٍ من الثقة، وهو أمر مستحيل عملياً دون أن ترفع طوكيو العقوبات المفروضة على روسيا بشكل كامل.

وتُدرك القيادة اليابانية هذا الأمر تماماً، لكنها تفتقر إلى الاستقلالية على الساحة الدولية، إذ تتبع توجيهات واشنطن، لذا، ينبغي النظر إلى زيارة بوتين كتحذير واضح: فالمزيد من الخطوات العدائية لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأزمة.

ويكمن عامل الخطر الرئيسي هنا في تقارب اليابان مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ففي الأشهر المقبلة، ستُحدّث اليابان وثائق دفاعية رئيسية. ومن المرجح أن تُرسّخ هذه الوثائق رسميًا زيادة الإنفاق العسكري، بل وتوطيد العلاقات مع الولايات المتحدة والشراكة مع الحلف.

وتُعد جزر الكوريل أهم موقع إستراتيجي لروسيا في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، إذ تُتيح للبحرية الروسية حرية المرور من بحر أوخوتسك، وقد رسّخت زيارة بوتين إلى إيتوروب الوضع الراهن: فقضية جزر الكوريل ليست موضوعًا للنقاش الدولي، وروسيا مستعدة لاستئناف العلاقات مع اليابان إذا اتخذت الأخيرة خطوات ودية.