لم تحظَ انتخابات بلدية في تركيا بأهمية كما تحظى الانتخابات الحالية التي ستجري في 31 نهاية هذا الشهر، وبحسب القائمة أكثر من 61 مليون ناخب يحق لهم التصويت من المقرر أن يتوجهوا، الأحد المقبل، إلى صناديق الاقتراع في 81 ولاية تركية، لاختيار 1393 رئيس بلدية وانتخاب ما يقارب من 33 ألف مختار لكل مدن وأحياء وقرى تركيا.
وبحسب رئيس المجلس الأعلى للانتخابات أحمد ينر يشارك في هذه الانتخابات عشرات المرشحين المستقلين، و36 حزباً سياسياً، في حين أصبح عدد المرشحين على منصب رئاسة بلدية إسطنبول 49 مرشحاً، منهم 22 من الأحزاب السياسية و27 مستقلاً.
إردوغان ليس صادقاً
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يعتبر استعادة إسطنبول معركة "كسر عظم" شخصية بينه وبين أكرم إمام أوغلو رئيس البلدية الحالي، وبين حزبه "العدالة والتنمية" وحزب الشعب الجمهوري المعارض، بعد فوز مرشح المعارضة في العام 2019 على مرشح العدالة والتنمية بن علي يلديريم بفارق قارب الـ900 ألف صوت وهو فارق كبير، لا بل يقول بعضهم: إن إردوغان لن يغمض له جفن، ولن يشعر بتحقيق الانتصار الكامل إلا عندما يستعيد بلدية إسطنبول من المعارضة لأنه يعتبرها رمزاً شخصياً له وبداية لتاريخه السياسي عام 1994، وبالتالي سيسعى للتخلص من إمام أوغلو الذي يرى فيه المنافس الأخطر على أي مرشح من العدالة والتنمية لرئاسة الجمهورية التركية عام 2028.
إردوغان يرى أن خسارة إمام أوغلو في إسطنبول وفوز مرشح العدالة والتنمية "مراد قوروم" سوف يمكنه من تعديل الدستور والفوز بفترة رئاسية ثالثة، فإردوغان فاز العام الماضي بالرئاسة للمرة الثانية، وادّعى أن الانتخابات الرئاسية الأخيرة ستكون آخر انتخابات في عهده، لكن المتابعين للشأن التركي يرون أن إردوغان ليس صادقاً فهو سبق وكرر مثل هذه الأقوال عند كل انتخابات ولم يلتزم بها، ومن هنا فإن فوز "قوروم" مرشح حزب العدالة والتنمية سيشجع إردوغان لطرح تعديل دستوري جديد يتيح له الترشح للمرة الثالثة، وبالتالي تتحول معركة إسطنبول إلى معركة رئاسية بامتياز .
بعضهم يرى أن الأمر قد يكون محسوماً لصالح إردوغان وتحالفه لكون المعارضة تعاني من تفكك وتمزق ولم تستطع ترميم صفوفها حتى الآن بسبب الاختلاف في العقيدة وعدم وجود شخص قوي قادر على تجميعها، فالأحزاب الثلاثة الرئيسية المعارضة تعاني من تباعد عقائدي فالحزب الجيد حزب قومي تركي معاد لحزب الشعوب الديمقراطي المتهم بدعم حزب العمال الكردستاني، في حين يمتنع حزب الشعوب الديمقراطي عن دعم حزب الشعب الجمهوري ويقدم مرشحين لكل دائرة.
"من يحكم إسطنبول يحكم تركيا"
أما الأحزاب المعارضة الأخرى كالسعادة والمستقبل وديفا فليس لها أي ثقل، وثقلها كان يأتي من تحالفها مع حزب الشعب الجمهوري، في المقابل بقي تحالف إردوغان قوياً متماسكاً لم يتعرض لأي هِزة سوى خروج حزبين صغيرين من التحالف هما حزب "الرفاه الجديد" وحزب "هدى بار" كان انضما إليه العام الماضي لتحقيق مكاسب انتخابية.
وهنا يمكن القول إن أهمية هذه الانتخابات تأتي من 3 أمور:
الأول: كونها الانتخابات الأولى التي تجري في تركيا بعد انتخابات رئاسية انقسم فيها الأتراك شاقولياً بين مؤيد للرئيس إردوغان وحزبه حزب "العدالة والتنمية" ومعارض له ولحزبه.
الثاني: إن هذه الانتخابات ستجري في غياب تحالف المعارضة الذي انفرط عقده بعد الانتخابات الرئاسية التي جرت في مايو من العام الماضي.
الثالث: طابعها المحلي البحت كونها تبدأ من القرية الصغيرة إلى المدينة الكبيرة ويلعب فيها كل من البعدين العائلي والعشائري دوراً كبيراً في اختيار الناخب للمرشحين، وتتميز نتائجها بأنها ستنعكس على الخِدمات الأساسية والبنى التحتية.
والسؤال: هل ستكون الانتخابات البلدية عاملاً حاسماً في إعادة رسم الخريطة السياسية لتركيا؟ وخصوصا أن الحزب الحاكم سيضغط بكل قواه للفوز ببلديتي إسطنبول وأنقرة، فنظرية إردوغان تقول "إن من يحكم إسطنبول يحكم تركيا" طبعاً هذا يعود إلى تاريخ إردوغان السياسي فانتخابات تركيا البلدية عام 1994 كانت بداية لما تلاها، ففي تلك الانتخابات فاز مرشحا حزب الرفاه الإسلامي الذي كان يرأسه نجم الدين إربكان برئاسة أهم مدينتين في تركيا هما إسطنبول (رجب طيب أردوغان) وأنقرة (مليح غوكتشيك). وفي العام التالي فاز حزب الرفاه في الانتخابات النيابية، وتمكن إربكان من أن يشكل أول حكومة برئاسة إسلامية في تاريخ تركيا الحديث، بالتحالف مع حزب "الطريق المستقيم" بزعامة تانسو تشيللر.
الخلاصة: أن نتائج الانتخابات البلدية قد تكون المعيار الأمثل لثقل كل حزب، وبالتالي ستجد الأحزاب التركية نفسها مضطرة للبحث عن تحالفات جديدة تنهي احتكار حزب "العدالة والتنمية" للحكم في تركيا الذي دام أكثر من 20 عاماً.