ألمانيا والرهان على الإمارات

آخر تحديث:

شاركنا:
الإمارات تمثل بالنسبة إلى أوروبا سوقاً مهمة ومصدراً لرأس المال والاستثمار

لا تبدو زيارة رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى ألمانيا مجرد محطة جديدة في مسار العلاقات الإماراتية – الألمانية، ولا مجرد مناسبة لتجديد تأكيد متانة شراكة عمرها أكثر من 5 عقود. فاختيار برلين اليوم لاستقبال رئيس دولة الإمارات في زيارة دولة، وفي هذا التوقيت تحديدا، يحمل دلالات تتجاوز العلاقات الثنائية إلى طبيعة التحولات التي يشهدها النظام الدولي، وإلى الدور الذي باتت دولة الإمارات تضطلع به كشريك موثوق وقادر على صناعة الحلول، وفتح مسارات جديدة للتعاون.

خلال هذه الزيارة سيلتقي الشيخ محمد بن زايد الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، في مباحثات تتناول مختلف جوانب التعاون والعمل المشترك بين البلدين وفرص تطويرهما، وخصوصا في المجالات الاقتصادية والتنموية، إلى جانب القضايا الإقليمية والدولية محل الاهتمام المشترك. وهو ما يؤكد أنّ العلاقة بين أبوظبي وبرلين لم تعد محصورة في إطار المصالح الاقتصادية التقليدية، بل أصبحت شراكة متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها اعتبارات الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والأمن والاستقرار وصناعة المستقبل.

تاريخيا، بدأت العلاقات الدبلوماسية بين الإمارات وألمانيا عام 1972، قبل أن تشهد تطورا متدرجا نقلها من علاقات الصداقة والتعاون إلى شراكة إستراتيجية راسخة. وكانت زيارة المستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرودر إلى أبوظبي عام 2003، محطة مهمة في هذا المسار، قبل أن تُترجم الإرادة السياسية في أبريل 2004، إلى اتفاق على شراكة إستراتيجية بين البلدين. ومنذ ذلك الوقت، اتسعت مجالات التعاون لتشمل الاقتصاد والطاقة والتعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا، وصولا إلى شراكات أكثر طموحا في مجالات الطاقة والمناخ والابتكار.

لكنّ العلاقات الإماراتية–الألمانية اليوم، تقف أمام مرحلة مختلفة. فالمشهد الدولي تغير، وأولويات برلين تغيرت، كما أنّ موقع الإمارات ودورها الإقليمي والدولي شهدا تحولا كبيرا. ولذلك فإنّ السؤال الذي تفرضه زيارة الشيخ محمد بن زايد إلى برلين، ليس فقط: ماذا تريد ألمانيا من الإمارات؟ بل أيضا: لماذا تراهن ألمانيا على الإمارات، وماذا يمكن للبلدين أن يبنيا معا في المرحلة المقبلة؟

دلالات التوقيت: لماذا الآن؟

ربما تكمن إحدى أهم دلالات الزيارة في توقيتها. فألمانيا تتحرك اليوم في بيئة دولية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها تداعيات الحروب والأزمات الجيوسياسية مع تحديات الطاقة وسلاسل الإمداد والتحول التكنولوجي، وتبدل موازين القوى الدولية. وفي مثل هذه البيئة، تصبح الشراكات مع الدول التي تتمتع بالاستقرار والقدرة الاقتصادية والحضور الدبلوماسي، أكثر أهمية من أيّ وقت مضى.

وهنا تكتسب الإمارات أهمية خاصة بالنسبة إلى برلين. فزيارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى أبوظبي في فبراير الماضي، ضمن جولته الخليجية، لم تكن زيارة بروتوكولية عابرة، بل جاءت في إطار توجه ألماني لتعزيز الشراكات الإستراتيجية مع دول الخليج عموما، والإمارات خصوصا. وكان لافتا أنّ ميرتس قال إنّ ألمانيا "بحاجة إلى مثل هذه الشراكات أكثر من أيّ وقت مضى، في وقت تزداد فيه هيمنة القوى الكبرى على السياسة الدولية".

الأكيد أنّ هذه العبارة تختصر جانبا كبيرا من فلسفة التحرك الألماني الحالي. فألمانيا تبحث عن شركاء يمكن الوثوق بهم في عالم يتراجع فيه هامش اليقين. والإمارات أثبتت خلال الأعوام الماضية، أنها قادرة على بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، وعلى الجمع بين المصالح الاقتصادية والدور الدبلوماسي والقدرة على التحرك في الملفات الإقليمية الحساسة.

ومن هنا، فإنّ تتابع زيارة المستشار الألماني إلى أبوظبي، ثم زيارة رئيس دولة الإمارات إلى برلين، يعكس زخما سياسيا متبادلا، يؤشر إلى أنّ الطرفين لا يريدان الاكتفاء بإدارة الشراكة القائمة، وإنما يبحثان عن الارتقاء بها إلى مستوى جديد.

اقتصاد المستقبل: شراكة تتجاوز التجارة

إذا كان هناك مجال يمكن أن يشكل أحد الأعمدة الرئيسية للمرحلة المقبلة، فهو اقتصاد المستقبل. فالإمارات وألمانيا لا تتنافسان في هذا المجال بقدر ما تتكاملان؛ فالإمارات تمتلك القدرة الاستثمارية والطموح لبناء اقتصاد معرفي، إلى جانب بنية تحتية رقمية ولوجستية متقدمة، وسرعة في تبني التكنولوجيا واستقطاب الشركات العالمية، فيما تمتلك ألمانيا قاعدة صناعية وتكنولوجية عميقة وخبرة متراكمة في الهندسة والتصنيع والبحث والتطوير. ومن هنا فإنّ الجمع بين القدرات الإماراتية والخبرة الألمانية، يمكن أن يفتح الباب أمام شراكات تتجاوز التجارة التقليدية نحو تطوير صناعات وتقنيات جديدة.

ولعلّ هذا هو الاتجاه الذي ينبغي أن تذهب إليه الشراكة في المرحلة المقبلة: الانتقال من التبادل التجاري إلى الإنتاج المشترك، ومن استيراد التكنولوجيا إلى تطويرها، ومن الاستثمار في القطاعات القائمة، إلى الاستثمار في قطاعات المستقبل. فالذكاء الاصطناعي، والتصنيع المتقدم، والطاقة النظيفة، والهيدروجين، والروبوتات، والفضاء، والبنية التحتية الرقمية، والبحث العلمي، كلها مجالات تستطيع فيها أبوظبي وبرلين أن تجمعا بين رأس المال والابتكار من جهة، والخبرة الصناعية والتكنولوجية من جهة أخرى.

ولا تتوقف أهمية هذه المعادلة عند حدود البلدين. فالإمارات باتت اليوم شريكا اقتصاديا تزداد أهميته بالنسبة إلى أوروبا ككل. ويعكس إطلاق مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والإمارات، إلى جانب المفاوضات حول اتفاقية شراكة إستراتيجية، إدراكا أوروبيا بأنّ العلاقة مع أبوظبي باتت تحمل أبعادا اقتصادية وإستراتيجية أوسع من التجارة التقليدية.

فالإمارات تمثل بالنسبة إلى أوروبا سوقا مهمة، ومصدرا لرأس المال والاستثمار، وفي الوقت نفسه منصة للوصول إلى أسواق الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا. وفي عالم تعيد فيه أوروبا النظر في أمن سلاسل الإمداد، وتنويع مصادر الطاقة والمواد الخام، وتعزيز قدرتها التكنولوجية، تصبح الشراكة مع دولة تتمتع بموقع جغرافي إستراتيجي، وبنية تحتية عالمية، وشبكة علاقات اقتصادية واسعة، ذات قيمة متزايدة.

وهنا تبرز أهمية ألمانيا تحديدا. فألمانيا تمتلك القوة الصناعية والتكنولوجية التي تحتاج إليها المرحلة المقبلة، بينما تمتلك الإمارات رأس المال والمرونة والقدرة على التحرك السريع والأسواق والشبكات العالمية. ولذلك يمكن أن تتحول الشراكة الإماراتية–الألمانية إلى نموذج مصغر للشراكة الأوروبية–الإماراتية الأوسع، بحيث تصبح أبوظبي منصة للاستثمار والتوسع الأوروبي، وتصبح ألمانيا بوابة صناعية وتكنولوجية متقدمة نحو اقتصاد المستقبل.

وبعبارة أخرى، فإنّ المعادلة لم تعد تقوم فقط على أنّ ألمانيا تبيع والإمارات تشتري أو تستثمر، وإنما على أنّ الطرفين يستطيعان أن يطورا وينتجا ويستثمرا معا. وهذه هي النقلة النوعية التي يمكن أن تمنح الشراكة معناها الحقيقي في العقود المقبلة.

ماذا بعد الزيارة؟

السؤال الأهم يبدأ في الحقيقة بعد انتهاء الزيارة. فنجاح الزيارات الرسمية لا يقاس فقط بما يصدر عنها من بيانات أو اتفاقيات، وإنما بقدرتها على تحويل التفاهم السياسي إلى مشاريع مستدامة، وتحويل العلاقات المتميزة إلى نتائج ملموسة يشعر بها اقتصادا البلدين ومجتمعا الأعمال فيهما.

وهنا يمكن للإمارات وألمانيا أن تنتقلا إلى مرحلة أكثر طموحا: مرحلة بناء منصات مشتركة للمستقبل، تجمع رأس المال الإماراتي مع التكنولوجيا والخبرة الألمانية، وتفتح المجال أمام استثمارات مشتركة في الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة، والصناعات المستقبلية والبحث العلمي. كما يمكن تعزيز التعاون في التعليم والجامعات والابتكار، بحيث لا تكون العلاقة بين البلدين علاقة حكومات وشركات فقط، وإنما علاقة منظومات معرفية واقتصادية متكاملة.

وفي البعد السياسي، يمكن لهذه الشراكة أن تلعب دورا أكبر في تعزيز الحوار بين أوروبا والخليج. فالإمارات، بما تمتلكه من شبكة علاقات واسعة وقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف، يمكن أن تشكل جسرا مهما بين أوروبا ومنطقة الخليج والشرق الأوسط. وألمانيا، بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي داخل أوروبا، تستطيع أن تكون شريكا رئيسيا للإمارات في تطوير هذا الحوار وتحويله إلى مسار أكثر انتظاما وفاعلية.

لقد أثبتت الأعوام الماضية أنّ الثقة السياسية بين أبوظبي وبرلين قادرة على الصمود أمام التحولات. واليوم تبدو الفرصة متاحة لتحويل هذه الثقة إلى شراكة أكثر إنتاجا وتأثيرا، بحيث يصبح التعاون بين البلدين نموذجا لما يمكن أن تكون عليه العلاقات بين أوروبا ودول الخليج في القرن الحادي والعشرين.

فإذا كانت ألمانيا تراهن اليوم على الإمارات كشريك موثوق في عالم يزداد اضطرابا، فإنّ الرهان الحقيقي الذي ينبغي أن يجمع أبوظبي وبرلين هو أبعد من المصالح الآنية: إنه رهان على القدرة معا على صناعة المستقبل، لا الاكتفاء بانتظاره.

وهذا ربما يكون المعنى الأعمق لزيارة الشيخ محمد بن زايد إلى برلين: أنها لا تأتي لتؤكد فقط أنّ الشراكة الإماراتية–الألمانية قوية، بل لتقول إنّ هذه الشراكة ما زالت قادرة على أن تكون أقوى وأكثر طموحا، وأن ما يجمع البلدين ليس فقط تاريخا من التعاون، وإنما رؤية مشتركة لما يمكن أن يكون عليه المستقبل.