كأس العالم.. "نيو لوك"

آخر تحديث:

شاركنا:
أولمبياد باريس 2024 اجتذب نحو 5 مليارات شخص حول العالم (رويترز)

بطولة كأس العالم لكرة القدم في مواجهة دورة الألعاب الأولمبية. أيّهما أقوى وأكثر أهمية؟

يكفي طرح السؤال لتبيان مدى قوة كرة القدم وشعبيتها في مواجهة مناسبة شاملة تشهد منافسات في معظم الألعاب الممكنة، 36 تحديداً، كما هو مقرر في أولمبياد لوس أنجلوس 2028.

في الدورتين الأولمبيتين، باريس 1924 وأمستردام 1928، توّجت الأوروغواي بالميدالية الذهبية في مسابقة كرة القدم، فقرر الاتحاد الدولي للعبة (فيفا) منحها شرف استضافة أول بطولة لكأس العالم في 1930. حدث الشرخ. من يومها، بدأ سباق القوة والهيمنة بين اللجنة الأولمبية الدولية و"فيفا" الذي حدّ عدد اللاعبين المحترفين في المنتخبات الأولمبية عند 3 فقط، مع منح الأندية حق الاحتفاظ بهم إن رغبت في ذلك.

وإذا كان عدد الحضور المباشر مقياساً، فإن الأرقام تشير إلى أن أولمبياد باريس 2024 اجتذب نحو 5 مليارات شخص حول العالم عبر شاشات التلفزيون والمنصات الرقمية، ما يعني أن أكثر من نصف سكان كوكب الأرض تابع فعاليات الدورة.

من جهته، جذب مونديال 2022 الرقم نفسه، 5 مليارات شخص، مع توقُّع الاتحاد الدولي ارتفاع العدد في نسخة 2026 ليصل إلى 6 مليارات "قياسية".

يشير هذا الإحصاء إلى أن كأس العالم التي تقتصر على رياضة واحدة وأقيمت للمرة الأولى في 1930، تتمتع بمستويات أعلى من المشاهدة الجماهيرية لدى مقارنتها بألعاب أولمبية أبصرت النور في 1896.

موجة واحدة

في سياق المقارنة العميقة بين الحدثين، تعتبر كأس العالم عبارة عن التفاف مجموعة من المشجعين على موجة واحدة، فهم يشاهدون لعبة واحدة، بما تحمله من دراما وإثارة جعلتها اللعبة الشعبية الأولى، في حين تجمع الألعاب الأولمبية مجموعة من عشاق الرياضات المختلفة.

"الرابط العضوي" الوحيد القائم بين الحدثين يلخّصه منتخب الأوروغواي الذي يعتمد 4 نجوم على قميصه رغم تتويجه بالمونديال في مناسبتين فقط (1930 على أرضه، و1950 في البرازيل).

قبل إقامة كأس العالم بشكل مستقل ابتداءً من 1930، كانت مسابقة كرة القدم في الأولمبياد تُنظم بإشراف كامل ومباشر من الـ"فيفا" الذي اعتبر نسختَي 1924 و1928 بمثابة "بطولات عالمية مفتوحة للمحترفين والهواة"، وكان الفائز بهما يُتوّج رسمياً بلقب "بطل العالم"، لعدم وجود مسابقة أخرى.

الأوروغواي انتزعت الذهب في الدورتين. من هنا، جاء تمسكها بالنجمتين الإضافيتين.

حاول الاتحاد الدولي إجبار الأوروغواي على إزالة نجمتين في مناسبتين، الأولى في 2021 عندما راسل أحد موظفيه شركة "بوما" (الراعي الرسمي لقميص الأوروغواي) ليطلب تعديل التصميم قبل مونديال 2022، بحجة ضرورة الاكتفاء بالبطولات الرسمية لكأس العالم فقط. يومها، انتفض الاتحاد الأوروغوياني وقدم وثائق تاريخية تثبت أن "فيفا" هو من نظم مسابقة كرة القدم في الدورتين الأولمبيتين واعترف بهما كبطولتَي كأس عالم. ما لبث أن تراجع الاتحاد الدولي وأصدر قراراً رسمياً في مايو 2022 يجيز فيه للأوروغواي الاحتفاظ بالنجوم الأربعة.

وفي نهاية 2025، تزايدت الضغوطات بعد تصريحات للمهاجم الأوروغوياني لويس سواريز قال فيها إنه شخصياً لا يحتسب لقبَي الأولمبياد كبطولتين لكأس العالم.

تسرّبت أنباء عن محاولة موظفين داخل "فيفا" إعادة فتح الملف وتجريد القميص من النجمتين قبل مونديال 2026. هنا، تدخّل رئيس الاتحاد الأوروغوياني، إغناسيو ألونسو، مؤكداً أن الاتحاد الدولي أغلق الجدل تماماً بعد مراجعة الوثائق التاريخية، وتم اعتماد القميص بالنجوم الأربع رسمياً لخوض غمار كأس العالم.

طغيان جماهيري

تتمثل قوة كأس العالم في طغيانها الجماهيري رغم محدودية عدد المنتخبات المشاركة في منافساتها مقارنةً بدورة الألعاب الأولمبية (48 دولة في مونديال 2026 بعدما كان العدد 32 في 2022، مقابل 206 دول في أولمبياد 2024) لكن المعادلة تختلف بتفاصيلها.

يُعتبر الأولمبياد متنوّعاً على مستوى الرياضات، بحيث يختار المرء اللعبة التي يرغب في متابعة منافساتها. تبدو كأس العالم وكأنها باتت من هذه النوعية بعدما فرض العدد الكبير من المنتخبات 104 مباريات، 72 منها في دور المجموعات يفتقد معظمها إلى القوة والتنافسية باستثناء، ربما، مواجهتَي إنكلترا مع كرواتيا، والبرازيل مع المغرب.

ثمة عدم اهتمام بعدد من الألعاب التي يشهدها الأولمبياد. أمر طبيعي. لكن هذا تماماً ما سيحصل في كأس العالم 2026 مع مشاركة منتخبات جديدة لم يسبق أن سُمع بها مثل كوراساو، الدولة الجزيرية المنسية في البحر الكاريبي ويقطنها 160 ألف نسمة فقط.

لا يمكن لبطولة ككأس العالم أن تفرض نفسها "مناسبة شاملة" كالأولمبياد. لا تحتاج إلى ذلك أساساً. كلّما ضبطت آلية المشاركة فيها، كلّما أثبتت خصوصيةً ميّزتها عن دورة الألعاب الأولمبية.

يبدو المونديال، اليوم، "بطولة غبّ الطلب" يجري تصميمها خصيصاً لتلبية رغبة شخص أو جهة معينة، أو ربما لخلق "بطل وهمي".

بات الهم الأكبر بالنسبة إلى المنظم، الاتحاد الدولي، تحقيق الأرباح، وهو ما انعكس في الأسعار القياسية لتذاكر مباريات البطولة "الزائدة عن الحد المعقول" والتي ستستضيفها الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، من دون الحديث عن ارتفاع الأسعار على مستوى تذاكر السفر، السكن، التنقل وغيرها.

الحدث الرئيسي

عندما سئل رئيس الاتحاد الدولي، السويسري جياني إنفانتينو، عن السبب في الارتفاع الهائل لأسعار التذاكر، قال: "الحدث الرئيسي والوحيد المدرّ للمداخيل بالنسبة لفيفا هو كأس العالم. البطولة تُقام لمدة شهر واحد كل 4 سنوات. نجني الأموال في شهر واحد، على أن نصرفها على مدى الـ47 شهراً المتبقية، حتى المونديال التالي".

وشدّد على أن "فيفا" "منظمة غير ربحية"، وأن العوائد الضخمة المجمعة في "شهر المونديال" لا تذهب لحساب شخصي بل يُعاد استثمارها بالكامل لتطوير كرة القدم ودعم 211 اتحاداً وطنياً حول العالم طوال السنوات الأربع.

وساق إنفانتينو مبررات أخرى لإقناع الجماهير الغاضبة من القفزة التاريخية للأسعار حيث بلغت أغلى تذكرة أصلية للنهائي حوالي 11 ألف دولار مقارنة بـ1,600 في "قطر 2022"، مستنداً إلى طبيعة السوق الأميركية، قائلاً: "تقام البطولة في سوق ترفيهي ضخم (الولايات المتحدة، كندا والمكسيك) تتجاوز فيه أسعار تذاكر مباريات الأدوار الإقصائية لكرة القدم الأميركية أو الحفلات الغنائية الكبرى حاجز 300 دولار كحد أدنى، وبالتالي يجب مواكبة أسعار هذا السوق".

وأوضح أن القوانين الأميركية تسمح بإعادة بيع التذاكر بهوامش ربح فلكية (وصلت بعض تذاكر النهائي المعروضة من أشخاص إلى مليونَي دولار)، مبرّراً خطوة "فيفا" بأنه لو جرى طرح التذاكر بأسعار رخيصة، فإن المضاربين سيشترونها ويعيدون بيعها بأسعار باهظة للاستفادة من فارق السعر، "لذا، مِن الأَوْلى أن تذهب القيمة المضافة للفيفا كي يعيد استثمارها في اللعبة".

"كرة القدم أفيون الشعوب". هذا تحوير وتحديث لمقولة "الدين أفيون الشعوب" للفيلسوف الألماني كارل ماركس، قالها عام 1843.

لم يذكر ذلك لأن اللعبة بمفهومها الحديث لم تكن قد تأسست أو انتشرت في زمانه. إسقاط المقولة على كرة القدم برز تاريخياً عبر فلاسفة ومفكرين يساريين ونقاد رياضيين عدة، مِن أبرزهم الفيلسوف والروائي الإيطالي، أومبرتو إيكو، الذي كان من أبرز من هاجموا كرة القدم، واعتبر اللعبة البديل الحديث لـ"أفيون الشعوب"، وأداةً تُستخدم لإلهاء الجماهير وتخدير وعيها السياسي والاجتماعي.

تبدّلت المفاهيم عبر الزمن. فبعدما كانت كرة القدم "لعبة الفقراء" تُستخدم لإلهائهم، تحوّلت اليوم إلى صناعة استثمارية فاخرة موجهة للأثرياء والنخبة.