تتصدر إيران الأخبار على مدى النصف قرن الماضي، فهي إما ثورة وعنف داخلي لا يخمد، أو هي تصدّر الثورة بطرق مباشرة كالحرب ضد العراق، أو غير مباشرة بدعم عصابات مسلحة في عموم الإقليم. وعندما لا تكون إيران في حالة غضب شعبي أو حروب قريبة أو بعيدة عن أراضيها، فهي تثير ريبة جيرانها ودول العالم، إما ببرنامجها النووي، أو بأعمال القرصنة لإغلاق المضائق البحرية كهرمز وباب المندب، أو ابتزاز دول الجوار لإجبارها على قبول زعامتها عليها.
كل هذه الأمور ليست حديثة. يمكن لأيّ قارئ للتاريخ أن يطالع بنفسه أحداث إيران في القرن 19: مجاعات وثورات وعصابات داخليا، ومحاولة كسر السلطنة العثمانية إقليميا، والانخراط في صراعات دولية قريبة وبعيدة.
"الخليج العربي"
من الصعب تحديد سبب هذه المشاغبة الإيرانية. لا شك أنّ هناك عقدة نقص جماعية مهولة تجاه باقي الشعوب، ومحاولات حثيثة لتأكيد أنّ إيران هي الحضارة الأقدم، والشعب الأكثر رقيا وحضارة، والحكومة الأكثر حكمة، والجيش الأكثر قوة، والامبراطورية الأكثر سطوة.
ومن نافل القول إنه ولا واحدة من هذه الشعوذات المذكورة صحيحة، فحضارات الرافدين والنيل والسند ظهرت قبل فارس بآلاف السنوات، وشعوب فارس فقدت السيادة أمام العرب في القرن الميلادي السابع، ولم تستعدها إلا مع بناء إيران الحديثة قرابة القرن 17، وهي لم تصل مرتبة الإمبراطوريات الكبرى، مثل العثمانية، لا في اتساعها، ولا في نفوذها.
عقدة النقص الجماعية الهائلة هذه، تجعل من غالبية الآراء الإيرانية مضطربة، إن من الموالاة للنظام الإسلامي، أو المعارضة أو ما بينهما. مثلا ينتفض الإيراني العادي لدى سماعه اسم "الخليج العربي"، ويصرّ على تسمية "الخليج الفارسي"، مع أنّ سكان الخليج على الضفتين، الإيرانية والعربية، هم من العرب، والخليج متفرع من "بحر العرب". هذه مشكلة هامشية، ولا ضير من أن يسمي كل شعب أيّ منطقة جغرافية بالطريقة التي تحلو له، خليج فارسي أم عربي أم غير ذلك. لكن لسبب ما، أيّ اسم غير "الخليج الفارسي"، يشكل مشكلة فادحة جدا لدى غالبية الفرس.
ثم إنّ هناك تململا لدى عدد كبير من الأميركيين والإسرائيليين من الأداء الشعبي الإيراني أثناء الحرب الأخيرة، فالمعارضة الإيرانية وعدت العالم بانتفاضة شعبية لو تم تأمين حماية عسكرية للإيرانيين، وعندما وصلت المساعدة التي وعد بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لم يخرج الإيرانيون، وبعدما بقي النظام، وجهت المعارضة الإيرانية في واشنطن سهام النقد لترامب نفسه، مع أنه أثناء الحرب، شعر عدد لا بأس به من المعارضين بالشوفينية القومية، فصاروا تارة يبكون على تدمير الجسر الذي يربط طهران بالشمال، وطورا على دمار آخر ناجم على الحرب، وكأنّ الحرب تأتي مجانا من دون تضحيات، وتطيح بالنظام بسلاسة، وتسلّم البلاد للمعارضة، التي تعد بتحويل إيران الى قبلة عيون البشر.
التخلص من عقدة النقص الإيرانية
لكنّ الإيرانيين لم يخرجوا، والمعارضة بقي دورها هامشيا، بل إنها افتعلت معارك مع بعض الحلفاء، ومع بعضها البعض، وراحت تؤدب من لا يعترف بعظمة إيران وحضارتها وتاريخها، ومن لا يقبل بعودة، لا إيران السابقة للجمهورية الإسلامية فحسب، بل الى امبراطورية قورش وداريوش والساسانيين، وكأنّ منطقة الشرق الأوسط تسعى لاستبدال الحرس الثوري الإيراني الحالي بحرس أمبراطوري.
الإيرانيون ليسوا عظماء، بل هم شعب له تاريخ مفعم بالنجاحات والفشل، أسوة بكل شعوب العالم. كان للإيرانيين عزّ وامبراطورية وأفَلت، وما يهم اليوم ليس الماضي، بل الحاضر والمستقبل، أو على ما يقول الشاعر: "لا تقل أصلي وفصلي أبدا.. إنما أصل الفتى ما قد حصل".
بالتوفيق للإيرانيين في ما يختارونه، لكن ما يهم جيرانهم هو التخلص من عقدة النقص هذه، التي تخرج على شكل تصدير للعنف، عبر صواريخ ومسيّرات، أو عصابات وميليشيات، أو احتلال جزر عربية في الخليج. ليس هكذا يكون حسن الجوار.
على المعارضة الإيرانية أن تكسب قلوب غير الإيرانيين والبحث عن حلفاء. أما العجرفة التي تمارسها، والمشابهة لعجرفة النظام القائم، فهي تشي أنّ التصرفات الإيرانية المزعزعة للاستقرار في الإقليم، لن تنتهي مع نهاية النظام، بل إنّ جلّ ما قد يتغير هو عودة الحكام بالشوارب، ليحلوا محلّ الحكام من أصحاب اللحى.
مشكلة إيران أنها ترفض دخول عصر الحداثة، لأنها ترى التواضع ضعفا، وترى في تاريخها المجيد ما يغنيها عن التحديث، بل ما يغنيها عن مساواة نفسها بالأمم الأخرى، إذ هي لا تنفع إلا أن تكون سيدتهم، إسلامية كانت أم غير إسلامية، وهم عليهم السمع والطاعة.
كيف يجب التعامل مع إيران؟ قد يكون السبيل الأجدى هو بالمثل، معاملة الحسنى بالحسنى والعنف بالعنف، وهذا يكون بغضّ النظر عن هوية النظام القائم. أما مقابلة العنف الإيراني بالحسنى عربيا، فضرب من الجنون ورمي للنفس إلى التهلكة. صحيح أنّ العرب يسامحون ويصبرون، ولكنهم ليسوا ضعفاء، والعين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم.