لماذا اختار "حزب الله" صخرة الروشة كرمز للتغيير؟

شاركنا:
استمرار الحرب مع إسرائيل منذ أكتوبر 2023 وضع الحزب تحت اختبار صعب (رويترز)

حين أضاء "حزب الله" صخرة الروشة بصورة أمينه العام السابق حسن نصرالله، علَّق أحد المراقبين بالقول: "لماذا اختار "حزب الله" بالذات صخرة الروشة بدلالاتها المعروفة؟" كان القصد من هذا التساؤل أن صخرة الروشة في لبنان هي "رمز الانتحار" فمَن كان يريد أن يضع حدًا لحياته كان يقفز عن صخرة الروشة.

بالتأكيد "حزب الله" لم يكن يتقصد هذا المشهد، لكن الرمزية فرضت نفسها، فهل ما آلت إليه أوضاع "حزب الله"، بعدما انتهت الحرب إلى ما انتهت إليه، هو وجه من أوجه الانتحار؟

على مدار الحرب المستمرة بين "حزب الله" وإسرائيل منذ 7 أكتوبر 2023، تعرض الحزب لضغط أمني وعسكري غير مسبوق. هذه الضغوط دفعت إلى تغييرات تنظيمية داخله شملت تعديل أدوار قيادية، إعادة هيكلة المجالات الأمنية والسياسية، وظهور وجهات نظر جديدة حول إستراتيجيات المواجهة.

منذ تأسيسه في أوائل الثمانينات، تطور "حزب الله" من جماعة مسلحة داخلية إلى تنظيم سياسي وعسكري فاعل في لبنان والمنطقة. وكان حسن نصرالله، الأمين العام منذ عام 1992، الشخصية المركزية في قيادة الحزب وتحويله إلى قوة سياسية ذات حضور قوي في البرلمان اللبناني، بجانب بناء قدراته العسكرية وتنظيماته الاجتماعية والخدماتية.

استمرار الحرب مع إسرائيل منذ أكتوبر 2023 وضع الحزب تحت اختبار صعب، إذ واجه سلسلة هجمات واستهدافات أدت إلى خسائر في صفوف قياداته السياسية والأمنية والعسكرية. في هذا السياق ظهرت الحاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات والإستراتيجيات داخل التنظيم.

من هو على رأس "حزب الله" الآن؟

التسلسل القيادي التقليدي لـ"حزب الله" كان يتركز حول الأمين العام ونائبه، المراكز القيادية العليا، والمجلس المركزي الذي يقرر السياسات الكبرى. في السنوات الماضية كان الشيخ نعيم قاسم يشغل منصب نائب الأمين العام، وللمفارقة، فإن الشيخ قاسم هو "منظِّر" الحزب، إذا صح التعبير، وله مؤلفات عدة في هذا الإطار، وللمرة الأولى في تاريخ الأحزاب في لبنان، يصل على رأس حزب منظرّه.

ظهرت تقارير عن تغييرات داخل الهياكل القيادية وعلاقات القوى بين الشخصيات المقربة من القيادة المركزية. بعض التحليلات أشارت إلى أن هناك توسعًا في دور القادة السياسيين داخل الحزب على حساب الأدوار التقليدية للقادة العسكريين والأمنيين.

التغييرات الأخيرة تضمنت تعديل أدوار بعض الوحدات القيادية، وتضييق نطاق عمل وحدات أمنية، مع تركيز أكبر على القيادة السياسية المركزية في اتخاذ القرارات الكبرى.

ولعل من أبرز التغييرات "إقالة"، وإن أعلنت على أنها "استقالة" الحاج وفيق صفا، الذي شغل أهم المواقع الأمنية والسياسية في الحزب وكان يسمى رئيس وحدة الاتصال والتنسيق، ومغزاها أن الحزب أعاد ترتيب دور صفا. هذه الخطوة هدفت إلى تحجيم الدور الأمني التقليدي بمعنى أن الحزب يسعى لفصل الوظائف الأمنية عن الدائرة السياسية العليا، بحيث تتركز القرارات الكبرى لدى القيادة المركزية بدلًا من أن تتداخل مع الوحدات الأمنية.

كما جاء هذا التغيير استجابة لضغوط الخسائر التي تكبدها الحزب في صفوف قادته الأمنيين والعسكريين والتي دفعت إلى إعادة تقييم الأدوار، وربما تقليل الاعتماد على الشخصيات القديمة لصالح وجوه جديدة أو أكثر قدرة على التكيف مع الواقع الجديد.

ويعتبر خبير في شؤون الحزب أن تغيير الأشخاص في مواقع حساسة قد يعكس محاولة لتحويل تركيز الحزب من العمليات الميدانية الصرفة إلى إدارة سياسية أكثر تركيزًا على البقاء التنظيمي داخل لبنان وخارجه.

ماذا عن التغييرات العسكرية؟

لم تصدر تقارير رسمية مفصلة عن تغييرات في قيادات "فيلق القدس" مثلًا داخل الحزب، لكن التحليلات تشير إلى أن الحزب يعيد ترتيب أولوياته العسكرية على ضوء المتغيرات الميدانية. وأهم ما يشير إليه المحللون هو:

  • تراجع القدرة على خوض عمليات عسكرية واسعة في مواجهة إسرائيل بنفس القوة السابقة، مع تركيز أكبر على إستراتيجية طويلة الأمد بدلاً من العمليات المكثفة قصيرة المدى.
  • الحاجة إلى إعادة هيكلة الوحدات الميدانية بحيث تتلاءم مع المرحلة الجديدة، التي تتميز بمراقبة استخبارية أقوى من قبل إسرائيل، وتحديات دولية وإقليمية متشابكة.

التغييرات القيادية والأمنية تشير إلى أن الحزب قد يكون في مرحلة انتقالية داخلية تحاول الجمع بين استمرار دوره السياسي والاحتفاظ بقدر من قوته العسكرية من دون إرهاق نفسه في صراع مفتوح مع قوى أكبر، فالتعديلات في الأدوار القيادية والأمنية تأتي كاستجابة للضغوط التي تعرض لها الحزب نتيجة الحرب الطويلة مع إسرائيل، وما صاحبها من استهداف لقياداته الأمنية والعسكرية.

وبما أن بعض الشخصيات "التاريخية" الكبيرة غادرت مواقعها، فإن الحزب قد يحاول إعادة بناء شبكة قيادية جديدة يمكنها أن تواجه التحديات الراهنة، وتعمل على استدامة دور الحزب في المشهد اللبناني. 

والتغييرات القيادية والأمنية والعسكرية داخل "حزب الله" ليست مجرد تبديل أشخاص في مناصب، بل هي انعكاس لمرحلة جديدة في مسيرة التنظيم. هذه المرحلة تتسم بتحولات في الأولويات بين المهام العسكرية والسياسية والأمنية، وتعكس محاولات للتكيف مع واقع ميداني وسياسي جديد. بينما يبقى السؤال مفتوحا حول مدى تأثير هذه التغييرات على قوة الحزب وموقعه في لبنان والمنطقة، فإن ما هو واضح من المصادر الموثوقة هو أن الحزب يُعيد ترتيب بيته الداخلي لمعالجة الخسائر والتحديات بعد سنوات من الصراع، والاختبار الأقوى سيكون: هل يستطيع "حزب الله" الاستمرار كقوة سياسية، فيما أساس نشأته القوة العسكرية؟

هذا هو التحدي الأكبر بالنسبة إليه.