صحيح أنّ الزيارة التي قام بها الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن في 10 نوفمبر العام الماضي كانت علامة فارقة في السياسة السورية؛ كونها الزيارة الأولى التي يقوم بها رئيس سوري إلى واشنطن منذ نيل سوريا استقلالها الكامل في 17 أبريل 1946، لكنّ الزيارة الثانية للرئيس الشرع إلى الولايات المتحدة، ولقاءه الرئيس دونالد ترامب، ستكون هي الأهم، ليس لأنها ستكون مراجعة لما اتفق عليه الجانبان في الزيارة الأولى، وبحث ما تحقق منها فحسب، بل لأنها ستكون اختبارًا حقيقيًا للطرفين، متمثلًا في 4 أمور:
- الأول: الجولان، أي أنّ القمة ستسعى لإيجاد حل لقضية الجولان المحتل وعقد اتفاقية ترضي الطرفين على غرار اتفاقية "فض الاشتباك" الموقّعة بين البلدين في مايو 1974 بعد حرب أكتوبر، وهو ما أعلنه الرئيس الشرع بالقول: نطالب بالعودة لاتفاقية 74 أو تعديلها، وهو ما ترفضه إسرائيل لأنها لا تريد الانسحاب من الأراضي السورية التي احتلتها بعد 8 ديسمبر 2024 ومنها قمة جبل الشيخ، في حين ترى الولايات المتحدة أنّ هذه المباحثات يجب أن تتوج بانضمام سوريا إلى الاتفاقيات الإبراهيمية وتحقيق استقرار دائم في المنطقة، لكنّ المعضلة الكبرى التي سيصطدم بها الطرفان، هي أنّ الرئيس ترامب نفسه هو من وقّع مرسومًا رئاسيًا في مارس 2019، يقر بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان المحتلة، وهو القرار الذي اعتبرته دمشق باطلًا ويخالف القانون الدولي.
سوريا تساعد في نزع سلاح "حزب الله"
- الثاني: وهو الأخطر نزع سلاح "حزب الله"، وهو ما ذكرته وكالة "رويترز"، من أنّ الرئيس ترامب شجّع الرئيس الشرع على النظر في إرسال قوات إلى شرق لبنان للمساعدة في نزع سلاح "حزب الله"، وهو ما كرره ترامب لقناة "NBC NEWS" أول أمس بالقول: نريد "عمليات جراحية" ضد "حزب الله" وأقترح مساعدة من سوريا! غير أنّ الرئيس الشرع كان قد رفض سابقًا خوض مثل هذه المهمة خشية الانجرار إلى الحرب الدائرة في المنطقة وتأجيج التوترات الطائفية، حتى أنّ مصدرًا سوريًا رفيعًا قال، إنّ دمشق وحلفاءها العرب، اتفقوا على ضرورة بقاء سوريا خارج الحرب، والاكتفاء باتخاذ إجراءات دفاعية.
- الثالث: خروج القواعد الروسية من سوريا، وهو ما لم تطالب به سوريا حتى الآن في محاولة لإيجاد نوع من التوازن في السياسة الخارجية! لكنّ وزارة الدفاع الأميركية أقرت تعديلًا على قانون موازنة وزارة الدفاع الذي اقترحه النائب الجمهوري جو ويلسون، بخصوص القواعد الروسية في سوريا، والذي يطالب بالعمل مع الحكومة السورية الجديدة من أجل تقليص النفوذ الروسي في سوريا، أو ضمان انسحاب القوات الروسية من حميميم وطرطوس، لما تشكّله من تهديد للقوات الأميركية في قاعدة إنجرليك التركية، أو أن تُستخدم كمراكز لوجستية لتزويد الوكلاء الإيرانيين في المنطقة بالأسلحة، مثل "الحوثيين"، و"حماس"، و"حزب الله"، وهذا ما يقوله المراقبون من أنّ الولايات المتحدة لن تقبل بوجود القواعد الروسية في الساحل السوري بعد خروجها هي من قاعدة التنف والقواعد الأخرى في المنطقة الشرقية، بل طرح العديد من الخبراء الأميركيين سؤالًا مهمًا عن كيفية عمل شركات النفط والغاز الأميركية في الساحل السوري، في ظل وجود القواعد الروسية؟!
- الرابع: أن تكون سوريا ممرًا آمنًا للطاقة في حال حصول نزاع بين دول الخليج وإيران، وهو ما طرحه المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك في كلمته أمام منتدى أنطاليا للدبلوماسية في تركيا في 17 أبريل الماضي، وأعاد طرحه الرئيس الشرع في قبرص في 22 أبريل الماضي على هامش انعقاد قمة الاتحاد الأوروبي غير الرسمية، بطرحه مشروع "ربط البحار الأربعة"، وهو ما يتطلب من سوريا تفعيل انضمامها للتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، ما يعني القضاء على "داعش" والمنظمات الإرهابية الأخرى.
ما يمكن استخلاصه أنّ الزيارة تعني لسوريا الكثير، لأنها تريد الانتقال من عالم الحروب والقتال إلى عالم السلام والازدهار، وهذا يتطلب رفعًا نهائيًا للعقوبات الدولية التي فُرضت عليها في عهد النظام السابق، ومنها ضرورة رفع اسمها من قائمة وزارة الخارجية الأميركية التي أُدرجت فيها لأول مرة في ديسمبر 1979، وهو ملف يرتبط بتسهيل التعاملات المالية والمصرفية والاستثمارية مع الخارج، وإنهاء تبعات "قانون قيصر"؛ ما يضمن إطلاق عملية إعادة الإعمار من دون عوائق في تحويل الأموال اللازمة وغيرها من العقبات.