لبنان بين السقطات والخيبات

شاركنا:
اللبنانيون كانوا ينتظرون خطوات ترفع عن كواهلهم عبء سنوات من المحاصصة (فيسبوك)

لم تكن قرارات الحكومة الأخيرة، هي السقطة الأولى للعهد الذي انتظره اللبنانيون طويلًا بعد عهد سلف، ذاقوا خلاله مرارة الإحباط والتخاذل والدعوة إلى الهجرة، سقطة أخرى سبقتها وهي طاقم المستشارين في القصر أو بعضه على الأقل، الذين بقدرة قادر تسللوا في غفلة إلى دوائر القصر، وتربعوا على كراسٍ لم يكونوا ليحلموا بها سابقًا.

هذه السقطة سُجلت على العهد الذي حلم اللبنانيون طويلًا في رؤيته ينسخ من أذهانهم صورة المحاصصة البغيضة التي كرّستها عهود سابقة، فإذا بهم أمام صورة مشابهة من الاستهانة بأحلامهم وطموحاتهم، ما أوقعهم في صدمة، ربما قلّل منها اختيار رئيس للحكومة هلّل اللبنانيون لاختياره، وهو القاضي النزيه صاحب الباع الطويل في المناقبية والثقافة الحقوقية، ما مكّنه من تبؤ أعلى المناصب القضائية على المستوى الدولي.

انتظر اللبنانيون طويلًا لرؤية مثل هذه الشخصية تصل إلى مقر الرئاسة الثالثة من دون تاريخ سياسي، ليضعوا على أكتافها كل أحلامهم في رؤية نمط جديد يمارس في السياسة اللبنانية، وفي مقاربة القضايا الاجتماعية بالتحديد.

قضايا أساسية وحساسة واجهت العهد والحكومة منذ اللحظات الأولى، وفي طليعتها مسألة حصر السلاح، التي ما زالت القضية الأبرز محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا، التي تقضّ مضجع الحكم وتُثقل كاهله، وربما يدفع ثمنها غاليًا، ما لم ينجح في مقاربتها بمزيد من القوة والحزم، في ما تبقّى من مراحلها.

"مغارة علي بابا"

لكنّ اللبنانيين كانوا ينتظرون خطوات في مجالات أخرى، ترفع عن كواهلهم عبء سنوات من المحاصصة و"دحش" الأزلام والمحاسيب، خصوصًا من مناصري الأحزاب، في إدارات الدولة من موظفين ومدراء عامين، أثقلوا خزينة الدولة التي تحولت إلى صناديق في خدمة هذا الزعيم أو ذاك.

انتظرنا طويلًا أن يُقدم العهد الجديد على فتح ملف الإدارة الذي تصحّ فيه مقولة "مغارة علي بابا"، فإذا بنا نفاجأ بقرارات لا يمكن هضمها، وكأنها جاءت لمكافأة غالبية موظفي السلطة والأحزاب، إن لم نقل كلّهم.

لم تكلّف الحكومة نفسها عناء البحث عن وسائل لتحسين مالية الدولة إلا من جيوب الغالبية العظمى من اللبنانيين، فلجأت كما قال رئيسها إلى خطوة بتمويل قراراتها سريعًا من جيوب المواطنين المهترئة، بفعل سنوات طويلة من الإفقار والإذلال.

كان بإمكان الحكومة أن تلجأ إلى خطوات أخرى، مثل تفعيل تحصيل الضرائب على شاغلي المرافق البحرية بأبخس الأسعار، والاستغناء عن الأبنية الحكومية التي لا لزوم لها وهي فارغة منذ أعوام، ينعق بها البوم وتعشّش فيها العناكب، وغيرها من الوسائل، كوقف التعويضات عن النواب السابقين وعائلاتهم، وعن الجمعيات الوهمية لأقارب السياسيين وزوجاتهم وهي بالمليارات.

سقطات جرّت على اللبنانيين خيبات بدأت وربما لن تنتهي، ما يدفع اللبنانيين إلى اليأس من رؤية التغيير الذي حلموا به، ولعلّ لسان حال اللبنانيين اليوم يقول: سقا الله على أيام الرؤساء كميل شمعون وفؤاد شهاب وإلياس سركيس، التي ربما غادرتنا إلى غير رجعة.