آخر نبي مجنون.. من لبنان

شاركنا:
زياد ليس استثناءً في ظاهرة الرفض والحساسية السورية (رويترز)

حيثما قيل: زياد الرحباني، يُستدعى لحن عبقري ومسرحية خارقة، وتُستحضر معه قضايا، وأسئلة، وصراعات، ومرارة، وسخرية، ومفارقات من النوع الذي لا يقبل التبسيط.

هو أولٌ على آخر.. فنان، لكنه لم يدّعِ الحياد، ولم يستسلم للاصطفاف الكلي أو الدائم. ولعله من أكثر الشخصيات بعدًا عن الديمومة والاستقرار، إذا استثنينا إصراره على الانتماء للبسطاء وأمكنتهم من أرصفة ومقاهي ومفردات.

وهو أولٌ على آخر.. إنسان، لا يُخفي تناقضاته، ولا يتورّع عن اتخاذ مواقف سياسية قد توصف أحيانًا بـ"الكارثية"، لكنه "زلمة" لا يزيف قناعاته ولا يتملق جمهوره.

وقبل وبعد كل هذا وذاك، زياد كان "بينحب" وهذه من لدن الله، وأقربُ ما فيه إلى القلب، أنه كان ابنًا ضالًا لفيروز و عاصي، لم يرتضِ لنفسه دور الوريث المطيع.

اختار أن يكون خصمًا حتى لنفسه، وبهذا جعل من نفسه حقل ألغام وأنغام، متكئًا على خليط من خلفية ماركسية، وتشاؤم ساخر، ورؤية للعالم لا تنحصر في ثنائية الأبيض والأسود، بل تتوزع على ألف تدرّج بينهما، وهذا تحديدًا ما سيزعج البعض، وخصوصًا من السوريين، المصرين على إقحام قضايا السياسة في كل موقف، حتى في تقييمهم لفنان مثل زياد الرحباني، وذلك بسبب موقفه المهادن لنظام بشار الأسد.

من الصعب التأكد هل هي طريقة عتب قاسية بقدر المحبة ومن ثم يعقبها سماح؟!.. أم إنها لازمة سورية وسمة مجتمعية مزمنة.

فالكبير نزار قباني مسامح شعبيًا مع أنه لم يقصر مثلًا في رثاء جمال عبد الناصر الذي اعتمد في حكمه -في نظر السوريين- نظامًا قمعيًا شموليًا، وله جمهور طويل عريض من المناهضين في سوريا اليوم، كما أنه لا يكاد يُذكر أبدًا تبنّي الراحل نزار قباني سياسة قومية تصنف اليوم لدى شرائح واسعة من الجمهور السوري كشوفينية إقصائية.

عمومًا زياد ليس استثناءً في ظاهرة الرفض والحساسية السورية  بل إنّ السوريين هم الاستثناء، مجتمع جُرح في كرامته لعقود، وأعقب تلك العقود حرب طاحنة لا أعلم إن كانت مبررًا كافيًا للهجوم حتى على الأموات، فالحرب بكل قبحها وقسوتها مرت بلبنان، لكننا نجد أنها لم تترك الآثار ذاتها حين يتعلق الأمر بفنان سوري موالٍ لنظام الأسدين وتحديدًا الأب، الذي فرض وصاية بالعنف المسلح طالت لعقود. لم يعاقب اللبنانيون الفنان جورج وسوف مثلا على مواقفه.. بل لم يتوقفوا عندها قبل الاستمتاع بفنه وحضور حفلاته وهو عندهم حتى اليوم "سلطان الطرب".

وذلك ينطبق على زياد، فبمجرد إعلان خبر رحيله سارع مناصرو أحزاب وكتل لا تتفق إطلاقًا مع آراء الراحل، إلى رثائه بطريقة لا يخطر لسامعها أنها بحق خصم آيديولوجي وسياسي عنيد.

وبالحديث عن العناد الشدة والحدة، وبعيدًا ليس كثيرًا عن سوريا ولبنان، فإنّ مقطوعات الموسيقار الألماني ريتشارد فاغنر "ماغيره"، قد عُزفت أكثر من مرة في "إسرائيل" رغم كون فاغنر أحد أبرز رموز الفكر النازي، وهو ما يثير حفيظة كل يهود العالم والإسرائيليين طبعًا، كما ويثير الجدل والسخط حتى اليوم، لكن كل ذلك لا يمنع المؤسسات الثقافية هناك من تقديم ومناقشة أعماله.

وكأنّ الموت ليس كافيًا للمسامحة، يعمد البعض وفي محاولة لتلطيف الهجوم على الأموات، إلى إقناع جزء من الجمهور السوري بأنّ محاولة اختزال الفن في مواقف صاحبه السياسية تشبه إلى حد كبير محاكمة لوحةٍ زيتية استنادًا إلى سيرة راسمها. ويسوقون لهم الأدلة من أسماء فنانين كبار امتلكوا آراءً سياسية متطرفة، ومع ذلك ظل أثرهم الإبداعي خالدًا. كالشاعر الأميركي عزرا باوند، كان مؤيدًا للفاشية، والمخرج الدانماركي لارس فون ترير صرّح ذات مرة بتفهمه لهتلر، لكنّ هذا التصريح لم يجعله شيطانًا، بل أبقاه مبدعًا استحق ترشيحه لنيل الاوسكار، لكنّ أيًّا من تلك المحاولات ستنتهي بتخوين صاحبها والسخرية من الأمثلة.

من الصعب شرح الفن كما يُجسده زياد الرحباني، فهو ليس بيانًا سياسيًا واعترافًا نهائيًا ومعتمدًا بل صرخة داخلية، فوضى مشروعة، رؤيا لا تخضع لمجمل التوازنات المريحة.

قد لا يكون هكذا في تصريحاته، لكنه كذلك في مسرحياته. لقد سخر زياد من الجميع: السلطة والمعارضة ورجال الدين وحتى المثقفين "الثوريين". أجاد زياد استخدام السخرية كسلاح تفكيك، وبهذا المعنى، لم نخسر فنانًا فقط، بل حالة معقدة، دعوة مفتوحة إلى إعادة النظر في ثنائياتنا الجاهزة: الفن والسياسة، الجمال والموقف، الإبداع والخطأ.

وربما من هنا، من هذا التعقيد بالذات، تنبع قيمته الحقيقية التي تُبقي كثيرًا من الأسئلة قيد التأمل، ومنها سؤال زياد المرهق: بالنسبة لبكرا شو؟