ظهور أقصى اليمين الجدي في أوروبا
كل هذه المتغيرات أدت إلى ظهور أقصى اليمين الجدي في أوروبا والذي لم يعد فقط ظاهرة انتخابية وإنما ايديولوجية ومشروع سياسي كبير عابر لحدود الدول يتوسع في أوروبا وخصوصا لدى الشباب منهم. وما زاد من قوة الخطاب اليميني هو عدم تأقلم المجموعات المهاجرة عبر الأجيال وخصوصا الجيل الثالث مع المجتماعات الحاضنة والذي كان واضحا في تشجيع هذا الجيل لبلده الأم على حساب البلد المضيف الذي عاش فيه وترعرع ويحمل جنسيته في ألعاب كرة القدم العالمية الأخيرة FIFA.
لفهم الواقع الأوروبي الجديد من قبل الطرفين اليمين والمهاجرين علينا النظر في نتائج الانتخابات الألمانية والتي فاز بها إلى حد ما حزب البديل من أجل ألمانيا AFD في ولاية ساكسونيا-أنهالت بحيث نال ما يقارب الـ39 مقعدا من أصل 83 أي ما يعادل 43.8% من الأصوات. أهمية هذا التغيير في السياسة الداخلية الألمانية وحتى الأوروبية أنه يسمح للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية باحتمال مشاركة حزب يميني متطرف إلى حدٍ ما في حكم ولاية ألمانية اليوم وربما غدا ألمانيا ومن بعدها أوروبا.
فعلى الرغم من حساسية ملف أقصى اليمين في ألمانيا، أقامت العديد من الأحزاب الألمانية درع حماية من أقصى اليمين وذلك من خلال منع التعاون السياسي مع AFD. إلا أن نتائج هذه الانتخابات أعطت ردة فعل عكسية بحيث لم يعد التعامل مع اليمين محرم، بل واقع ميداني اجتماعي سياسي يعكس مزاج الأغلبية، خصوصا مع تحول الحزب من قوة احتجاجية رفضية إلى أكبر قوة سياسية وعقائدية في أحد الولايات المانية.
إذا نظرنا إلى التاريخ الحديث لصعود أقصى اليمين في ألمانيا وكذلك في فرنسا نرى أنه في فرنسا على سبيل المثال يعتبر أقصى اليمين الثالث بعدد المقاعد البرلمانية بحصوله على 143 مقعدا من أصل 577، وهو رقم تراكمي وقابل لينافس اليسار واليمين الوسط اللذان يتصدران عدد المقاعد في البرلمان في أي انتخابات قادمة.
أما في ألمانيا فقد حصد حزب AFD في انتخابات 2025 على ما يقارب 21% من اجمالي أصوات المقترعين و152 مقعدا في البوندستاغ (مجلس النواب).
أما في البرلمان الأوروبي فيحصد أقصى اليمين المقسم إلى 3 مجموعات ما أجماله 27% من المقاعد وهو رقم لا يستهان به من حيث الحضور على صعيد القارة وخصوصا ان هذه الارقام مرشحة لتكون اعلى في الأيام القادمة.
إلا أن الهجرة ليست المسبب الرئيس لصعود السريع لأقصى اليمين في المجتماعات الأوروبية. فهنالك مجموعة متراكمة من الأسباب والأزمات التي أدت إلى هذا الصعود مثل التضخم، وغياب الخطط لمواجهة الأزمات، وتراجع القدرة الشرائية، والأزمة الاقتصادية، والخوف المستمر من الحروب، وأزمة الطاقة، والهجرة واللجوء، وتراجع خدمات الدولة وأبرزها الطبابة، وبدء فقدان الهوية الوطنية بسبب العولمة، والقلق على أمن أوروبا المستقبلي خصوصا بسبب الأخطار المقبلة نحوها من كل الاتجاهات.
ففي ألمانيا مثلا إضافة إلى ما ذكرناه أعلاه تبقى أزمة تراجع النمو الاقتصادي وإقفال العديد من المؤسسات والمصانع والفجوة الانمائية المستمرة بين ألمانيا الغربية والشرقية أحد أبرز أسباب هذا الصعود. ضف على ذلك، تعتبر ولاية ساكسونيا-أنهالت من الأفقر في ألمانيا بحيث عجزت الحكومة المركزية من بناء تنمية عادلة ومستدامة بين جميع الولاية وخصوصا بعد اندماج ألمانيا الشرقية مع الغربية. إضافة إلى ذلك، أدى تراجع الثقة في الأحزاب التقليدية والتي يتهمها أقصى اليمين بخلق هذه الأزمات وعجزهم عن حالها إلى صعود هذا اليمين وخصوصا عقيدة AFD بين ألمان. فمسبب الصعود ليس فقط هجرة ولكن اقتصاد وهوية وسياسة.
أقصى اليمين ينتظر ساعة الانقضاض
ولكن ما يثير الدهشة هو بدء الأحزاب التقليدية الألمانية في التأقلم مع اليمين من خلال تبني جزءا من خطابه وخصوصا في الملف الاقتصادي والهجرة والأمن الوطني وحتى الأوروبي في ظل التغيير في النظام العالمي. أما في فرنسا، فينتظر أقصى اليمين ساعة الصفر للانقضاض الحكم خصوصا مع تنامي شعبيته بسبب سياسات الأحزاب الحاكمة التي أدت بحسب قادته إلى ضياع الهوية الفرنسية. فالحزب الوطني (اليميني) الذي لم يستلم السلطة بعد، لكنه أصبح اليوم لاعبا أساسيا في التركيبة السياسية الفرنسية وخصوصا بعد حصوله على ما يقارب 88 مقعدا في انتخاب عام 2025. وما يجعل الأمور أكثر تعقيدا هو نتائج استطلاعات الرأي التي تؤكد ازدياد شعبية الحزب الوطني بصورة غير مسبوقة على وقع فشل الفرنسي في السياسات الدولية وإخفاق الأحزاب الحاكمة في المواضيع الداخلية وأبرزها الهجرة والوضع الاقتصادي المتردي، وهذا ما قد يسمح للحزب الوطني بخوض الانتخابات الرئاسية القادمة باندفاعة قوية متحولا بذلك من حزب احتجاجي معارض رفضي، إلى حزب سياسي تغييري يؤيده الكثير من جيل الشباب الفرنسي.
أما في إسبانيا فالمشهد ليس مختلفا عن فرنسا وألمانيا وخصوصا بعد أزمة اللاجئين الخانقة وكان آخرها أزمة سبتة مع المغرب، وسياسة الحزب الحاكم برئاسة بدرو سانشيز الجيدة تجاه المهاجرين خصوصا بعد طرح حكومته خطة لتصحيح وضع نصف مليون مهاجر غير شرعي، ما وضع الحزب الحاكم في مرمى هجوم أقصى اليمين بزعامة حزب ڤوكس VOX ومواجهة مع الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من كل هذا، لم يستطع هذا الحزب سوى العبور من مرحلة الحزب المعارض اليميني إلى أن يكون قوة سياسية مؤثرة في البرلمان بسبب حصوله على 33 مقعدا أي 12.5% من الأصوات، والمجالس المحلية وطبعا حضور خجول في البرلمان الأوروبي بـ6 مقاعد.
في خلاصة لأرقام المقاعد التي حصل عليها أقصى اليمين في العديد من الدول تبدو إلى حد ما قليلة، ولكن القصة لا تكمن في عدد المقاعد، بل في التغيير الجوهري لنمط ولطبيعة الخطاب السياسي في أوروبا ليكون أكثر يمينيا. فاليوم أصبح أقصى اليمين يسيطر على أهم المواضيع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في أوروبا من الهجرة والحدود والسيادة والأمن والهوية والتي أصبحت في صلب السياسة الداخلية والخارجية لجميع دول الاتحاد الأوروبي وخصوصا بعد عجزت الأحزاب التقليدية التي يتهمها اليمين بإنتاج هذه الأزمات من طرح حلول عملانية ومنطقية وسيادية.
كل هذه التركمات إضافة إلى الضغوطات الهائلة على أوروبا من الاتجاهات كافة، تعني أن أقصى اليمين قد يكون في المستقبل القريب أحد الأحزاب الحاكمة في العديد من الدول الأوروبية. إضافة إلى ذلك، يمكن لليمين أن يكون اللاعب الأساس للسياسة العديد من الدول ويضغط أكثر على الأحزاب التقليدية الحاكمة كي تتحرك باتجاه خطابه وإيديولوجياته، وتبني مفهومه للسياسة والاقتصاد. فالمستقبل السياسي لأوروبا قد يكون أمام خيارين، إما أن يحكم اليمين، وأما أن تتبنى الأحزاب التقليدية خطابه، وهذا يدل على أن تغييرا عميقا يجري في السياسة والمجتمع والاقتصاد الأوروبي، برزت أحد اهم نتائجه فوز AFD في ألمانيا.
فأوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية هي أوروبا الانفتاح، وحقوق الإنسان، والتماسك، والتعددية والتكامل، والانخراط، تواجه اليوم بعد أكثر من 80 عاما العودة إلى منطق الدولة أولاً، والحدود أولاً، والمواطن الوطني أولاً. لذلك، إن لم تستطع الأحزاب الديمقراطية التقليدية الأوروبية معالجة أسباب المشاكل المتراكمة، قد تكون نتائج الانتخابات الألمانية بداية تتدحرج كرة أقصى اليمين نحو أطباق الحكم في العديد من دول الاتحاد، عندها نكون أمام مستقبل مختلف.
