زلزال الحوز: مخاض ولادة جديدة

شاركنا:
من واجب المثقّف الوقوف في وجه كل محاولات الاستغلال السياسيّ لمأساة المغرب

على الرغم من مرور ما يزيد عن أسبوع على وقوع كارثة زلزال الحوز، إلا أنّ القلم ما زال عاجزا عن كتابة شيء ذي قيمة، ولا أُنكر أنّني قضيت وقتًا طويلًا، مسمّرًا أمام حاسوبي، عاجزًا عن كتابة حرف واحد، مع يقيني الراسخ بتراجع أهميّة الكلام حاليًا، وإيماني بضرورة التركيز أكثر على الفعل، الذي ينتظره إخوتنا وأحباؤنا في دواوير وجبال الحوز المنكوبة، ممّن كانت دقيقة واحدة (أو ربما أقل) كافية لتغيير مسار حياتهم إلى الأبد...

كانت لحظات شديدة الصعوبة، اختلطت فيها مشاعر الجميع، وسيطر الترقّب على المشهد، بين بداية غامضة لم يفهم فيها أحد طبيعة ما جرى، ثم تواتر الأخبار التي بدأت تتّضح معها الصورة شيئًا فشيئًا، وإن خالطتها أكاذيب وأخبار زائفة ومعلومات تفتقر للدقّة، حول هزات ارتداديّة محتملة، خصوصا ونحن نتحدّث عن هزّة قويّة شعر بها كلّ المغاربة، بل وتجاوزتهم ليُحسّ بها بعض الجزائريّين والبرتغاليّين والإسبان، وكما هو الشأن في أحداث مماثلة، يتحول الجميع إلى خبراء على وسائل التواصل الاجتماعيّ، يُفتون في ما يعرفون وما لا يعرفون.

"ما قسم الله"

مع طلوع فجر اليوم الموالي، تأكد لنا أنّ الأمر يتعلق بكارثة حقيقيّة، دمرت دواوير بأكملها، وذهبت بأرواح مئات تحوّلوا بمرور الوقت إلى آلاف، وسرعان ما نفض المغاربة غبار الصدمة، لتبدأ عمليات الإنقاذ والحملات التضامنيّة، التي جاءت عفويّة وبلا تردّد، وأكدت مرة أخرى سموّ معدن هذا المغربيّ، الذي تناسى همومه اليوميّة، وسياط التضخّم وغلاء الأسعار التي تنهال على ظهره، وساهم في الحملات، كلّ وفق استطاعته، والأفئدة تدعو أن يتوقف عدّاد الضحايا عن الارتفاع، والآذان تتلهف لسماع قصص جديدة عن العثور على ناجين تحت الأنقاض.

ككل المغاربة، تابعت تفاصيل عمليّات الإنقاذ وحملات التضامن، وساهمت في هذه الحملات بـ"ما قسم الله" كما نقول بلهجتنا المغربيّة الدارجة، في وقت شعرت فيه أنّ هذه التجربة كانت أشبه باختبار حقيقيّ، انتزعني من لهاث الحياة اليوميّة وهمومها، وأجبرني على تغيير طريقة تفكيري بشأن الحاضر والمستقبل، كيف لا وقد أثبت هذا الزلزال أنّ أقلّ من دقيقة واحدة كافية لتأكيد أنّ الحياة ربما لا تستحقّ كل ذلك الثقل الذي نمنحها إيّاه، ونجعله يجثم على صدورنا وكاهلنا صباح مساء.

أعتقد أنّ دور المثقف هنا هو الانخراط الفعليّ في هذه الهبّة الشعبيّة الرائعة، وربّما بذل الجهد في الحفاظ عليها من الانحراف عن مقاصدها الأولى، وهو ما خشيت وقوعه صراحةً منذ البداية، مع تسلّل بعض ضعاف النفوس إلى المشهد، ممّن قطعوا الكيلومترات صوب المناطق المنكوبة، لا للمساهمة بشيء حقيقيّ وملموس، بل فقط لالتقاط الصور وزيادة أعداد متابعيهم، وأرجو أن تكون هذه النماذج مجرّد حالات معزولة، لا تشوّه قيمة كل ما بُذل من جهد مميّز حتى الآن.

"مستعمرة فرنسية"

من واجب المثقّف أيضا الوقوف في وجه كل محاولات الاستغلال السياسيّ أو الإيديولوجيّ للمأساة، وهو ما قد ينحوه البعض للأسف، إذ قرأت قبل أيام مثلًا، تصريحًا لكاتب شهير، وهو فرنسيّ (من أصول مغربيّة)، استغلّ فرصة الزّلزال ليتحدث بفوقيّة لا تليق بالدور المنوط بالمثقّف، منتقدًا ضمنيًا إيمان المغاربة بالقدر، ليربط ما جرى حصرًا بحركة الصفائح التكتونيّة، لكن، وعلى الجهة المقابلة، تصدّى عدد من المثقّفين، في المغرب وفرنسا، للمحاولات الفرنسيّة الرسميّة، تسييس الكارثة التي ألمّت بالمغرب، والتعامل معه بوصفه مستعمرة خاضعة للنفوذ الفرنسيّ، ولا أدلّ على ذلك من عناوين صحفيّة كريهة، وبرامج حواريّة تعاملت مع عدم قبول المغرب لطلب المساعدة الرسميّة بدهشة عنصريّة مقيتة، وقف عدد من المثقّفين في وجهها، من دون أن يعني ذلك رفض تعاطف حقيقيّ من فرنسيين وآخرين من جنسيات أخرى مختلفة، من جميع أنحاء العالم، انتصروا لذلك الشيخ المنكوب، وتلك العجوز المكلومة، وذلك الطفل اليتيم في الجبال المعزولة، من دون أيّ حسابات سياسيّة ضيّقة.