إنه أيلول، شهر عودة التلاميذ والطلبة إلى مقاعد الدراسة.. كلما حلّ يعود السؤال القديم المتجدّد: كيف لتونس أن تلاحق موجة التحوّلات المعرفيّة المتسارعة، وكيف لها أن تعلّم الأجيال على التأقلم والاندماج، في عالم لا يعترف بغير القيمة المضافة؟
ثورة كاملة
شيء من التاريخ يقول، إنّ البلد لم يكفّ عن التموقع في مستوى التحدي، ولم ينقطع عن إنتاج الكفاءة النوعية..وشيء في الجغرافيا ينبّه إلى ضرورة عدم الاكتفاء باحتفائيّة منجز دولة الاستقلال، التي جعلت من التعليم مفخرةً وطنية، وإلى ضرورة سدّ الفجوة التي خلّفها ركود المنظومة التربويّة، ونسقها الكلاسيكيّ الذي صار أحوج إلى ثورة كاملة في مستوى المفاهيم والوسائل والتمشّيات.
لماذا قررت الدولة الآن تركيز مجلس أعلى للتربية والتعليم؟ ولماذا تتسارع الاستعدادات على مستوى وزارة التربية، لإطلاق استشارة وطنية حول إصلاح التعليم في بداية السنة الدراسيّة الحاليّة؟
الإجابة كامنة في أنّ البلاد التونسيّة قد دخلت فعلًا في منظومة تجديد شامل للنسيج السياسيّ والاجتماعيّ والمؤسساتي، وباشرت فعلًا عملية تقييم لحصيلة المراحل السابقة، وتوصلت إلى قناعة راسخة بأنّ الإصلاح الحقيقيّ لشأن المجتمع، يبدأ من المدرسة والمدرسة العموميّة تحديدا وتدقيقًا.
لا شك أنّ الأساسات المتينة، للتعليم العموميّ التونسيّ موجودة في تلك الطفرة النوعية التي اعتمدت المدرسة مصعدًا اجتماعيًا، تتساوى في معاييره كل الفئات فقيرها وغنيّها. ولقد نجح الزعيم الراجل الحبيب بورقيبة، باقتدار، في تحويل أبناء وبنات الأحياء الفقيرة والقرى النائية، إلى كوادر نوعية في الدولة والإدارة والأعمال، والثقافة والإبداع.. لكن هل يكفي كل ذلك للتنصّل من مسؤولية ثقيلة في تراكم الجمود الذي سيطر منظومة التعليم، على مر عقود متتالية؟
زمن مدرسي مرهِق
من هنا يبدا التقييم، ومن هنا يبدأ العمل على كسر الجدار المتكلّس.. لقد ظلت المنظومة التعليميّة منذ ستّينيات القرن الماضي تراوح مكانها،
لم تجدّد مضامين التعلم ولا وسائل التعلم، والأغرب أنها لم تجدد فضاءات التعلم التي تلوح في عصر الرقمنة والتكنولوجيا، على هيئة مبانٍ قديمة تستقبل طلابًا ينهلون ممّا تيسّر من المناهج الكميّة الإملائية، ويتخرجون
ليتوهوا في سوق الشغل بلا شغل.
زمن مدرسي مرهِق لا يترك للمتعلم فجوة للراحة، ولا للنشاط الثقافيّ والترفيهي..موادّ كثيرة ببرامج طويلة ومملّة، لم تتحيّن على إيقاع العصر..
غياب كامل للاجتهاد في وضع اختصاصات تتناسب وعنصر المهارة المطلوب، بل المقدّس حاليا في سوق الشغل المحليّة والعالميّة.. متعلمون منهكون جسديًا ومعلمون منهكون معيشيًا، يلتقون كل يوم على أمل غد أفضل..فكيف نصنع الغد الأفضل؟ وبأيّ حال ستتكون العودة المدرسيّة؟
كل هذه الأسئلة طُرحت بقوة على طاولة سلطات الخامس والعشرين من يوليو، في إطار مقاربة جديدة وعميقة للإصلاح الشامل، وأكاد أجزم أنّ تجسيمها يحتاج إلى قرارات لا تقلّ جرأة عن تلك التي تم اتخاذها لتفكيك المنظومة السياسيّة القديمة، والمنظومة القضائيّة القديمة، والمنظومة الإداريّة القديمة، وكل المنظومات المتهاوية لعشريّة الظلام.
فعل يكون المجلس الأعلى للتربية والتعليم اسمًا على مسمّى؟ هل يحرّك تلك المياه الراكدة، ويؤسّس لغدٍ تربويّ وتكوينيّ بإيقاع عصريّ؟ هل يخلق انسجاما بين المتطلّب المعرفيّ والمتطلّب الاقتصاديّ والاجتماعي؟
هذا ما ننتظره طبعا حتى لا نظلّ في متاهة نوستالجيا البدايات، وننسى أنّ الواقع الجديد يطلّب منّا الكثير.. وأنّ الجيل الجديد يطلب منّا أكثر.