ما أشبه اليوم بالأمس. ها هو دونالد ترامب يفعلها مجددًا، ويختار منطقة الخليج لتكون محطّته الخارجية الأولى في ولايته الثانية، تمامًا كما فعل في عام 2017. زيارة أثارت اهتمام العالم بأسره خلال الساعات الماضية، وتصدّرت عناوين الأخبار في مختلف وسائل الإعلام، ليس فقط لرمزيتها السياسية، بل لما تحمله من دلالات تتجاوز البروتوكول وتمتد إلى عمق التوازنات الإقليمية والدولية.
اليوم، زيارة رئيس الولايات المتحدة، القوة العالمية الأولى، إلى منطقة تُعدّ من الأكثر ديناميكية وتأثيرًا في القرن الحادي والعشرين، ليست حدثًا عابرًا. إنها لحظة مفصلية تعبّر عن إدراك إستراتيجي لأهمية هذه المنطقة في صياغة ملامح النظام العالمي المقبل، لا في السياسة وحدها، بل في الاقتصاد والتكنولوجيا والابتكار.
وإذ كثر الحديث في اليومين الماضيين عن المحطتين الأوليين في هذه الزيارة — أي المملكة العربية السعودية وقطر — فإن الحديث عن محطته الأخيرة في دولة الإمارات العربية المتحدة سيطول ولن يتوقف. خصوصا وأننا نتحدث عن دولة استطاعت، في الأعوام الماضية، أن ترسّخ مكانتها كقوة إقليمية طموحة وذات رؤية، لا تكتفي بإدارة شؤونها الداخلية بكفاءة، بل تلعب دورًا دوليًا مؤثرًا في عدد من الملفات المحورية.
أولًا: شراكة راسخة بين بلدين صديقين
من المهم الإشارة إلى أن زيارة الرئيس ترامب اليوم — وهي الأولى له إلى أبوظبي — ليست عادية بأي مقياس. فهي تحمل دلالات عميقة، إذ تأتي بعد قرابة ثمانية أشهر فقط من زيارة تاريخية قام بها رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، إلى الولايات المتحدة في سبتمبر من العام الماضي. وهي زيارة ستبقى للتاريخ، إذ لاقت إشادة واسعة في الأوساط الأميركية كافة، خصوصا وأن الرئيس الإماراتي نجح خلالها في ترسيخ مكانة بلاده وتثبيت متانة العلاقات الندية بين البلدين الحليفين والصديقين.
وعليه، يمكن القول إن زيارة الرئيس ترامب اليوم هي تكميلية وتكاملية لزيارة الشيخ محمد، وهي تأتي، قبل كل شيء، لتعزيز أواصر العلاقات المتينة بين أبوظبي وواشنطن. كما أنها تندرج ضمن سياق طبيعي لترسيخ شراكة إستراتيجية حقيقية ومتوازنة بين قوة عالمية وأخرى إقليمية تتكاملان في الرؤية، وتتشاركان الطموح.
ثانيًا: الإمارات شريكة بالسلام وإعادة هندسة المنطقة
في السياسة، تدرك إدارة الرئيس دونالد ترامب — كما الإدارات الأميركية السابقة — أن الإمارات تمثّل ركيزة توازن في منطقة مضطربة. فهي دولة ذات مصداقية عالية على المستوى الدولي، وتتبنّى سياسة خارجية قائمة على المبادرات، وبناء الجسور، واحتواء التوترات. ومن هنا، تأتي هذه الزيارة لتؤكد مجددًا على الدور المحوري الذي يمكن لأبوظبي أن تلعبه في ملفات إقليمية حساسة، من أمن الطاقة إلى السلام الإقليمي والتعاون العابر للحدود.
كما لا تغفل إدارة ترامب كيف لبّت الإمارات نداء السلام في عام 2020، حين بادرت إلى توقيع "الاتفاق الإبراهيمي" وأقامت علاقات دبلوماسية كاملة مع دولة إسرائيل، إحدى الحلفاء الإستراتيجيين للولايات المتحدة. تلك الخطوة لم تكن مجرد تحوّل دبلوماسي، بل جسّدت رؤية سياسية جريئة تعكس نضجًا في قراءة الواقع الإقليمي، وسعيًا نحو إعادة تشكيله بعيدًا عن الصدام، وبالاستناد إلى منطق الشراكة والتعاون.
ومن هذا المنطلق، فإن زيارة ترامب إلى أبوظبي لا يمكن فصلها عن هذا السياق، بل تأتي لتكرّس موقع الإمارات كشريك موثوق في صنع السلام، وفاعل أساسي في إعادة هندسة التوازنات في الشرق الأوسط، بما يخدم مصالح الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
ثالثًا: تحالف معرفي–تكنولوجي يرسم المستقبل
اليوم، لا يمكننا إلا أن نقول إن أبوظبي، التي شهدت نموًا ملحوظًا في نفوذها الإقليمي والدولي خلال السنوات الماضية، باتت حجر أساس في السياسة الأميركية في المنطقة والعالم. فالإمارات لم تعد فقط شريكًا سياسيًا أو اقتصاديًا في رسم المشهد الإقليمي والعالمي، بل أصبحت مركزًا إقليميًا رائدًا في صناعة المستقبل، خصوصًا في مجالات الذكاء الاصطناعي، والمدن الذكية، والاقتصاد المعرفي.
وفي ظل التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، تأتي زيارة ترامب لتؤكّد أن واشنطن تدرك تمامًا أنّ معادلة النفوذ لم تعد تُصاغ فقط في غرف السياسة أو ممرات النفط، بل في مختبرات الأبحاث ومنصّات الابتكار، حيث تمضي الإمارات بثقة نحو قيادة إقليمية رقمية.
فالإمارات اليوم تُعد من أكثر دول العالم جدية في بناء قدراتها وتطوير استثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، ليس فقط عبر الإنفاق الضخم، بل من خلال ترسيخه في مناهج التعليم، وتدريبه كمهارة وطنية تبدأ من المدرسة. وهنا تكمن أهمية هذه الزيارة، فهي ليست مجرد محطة في جدول أعمال رئاسي، بل خطوة مدروسة ضمن رؤية أميركية–إماراتية مشتركة لصياغة مستقبل تتقاطع فيه السياسة بالتكنولوجيا، والدبلوماسية بالذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن هذه الزيارة تأتي أيضًا بعد أسابيع قليلة من زيارة ناجحة جدًا للشيخ طحنون بن زايد، مستشار الأمن الوطني، وأحد أبرز الشخصيات الإماراتية الفاعلة في مجالات الابتكار والتكنولوجيا، إلى واشنطن في مارس الماضي، والتي شهدت توقيع اتفاقيات مهمة في هذه المجالات الحيوية.
نقول اليوم إن الشراكة بين أبوظبي وواشنطن فريدة من نوعها، لأنها لم تعد قائمة على المصالح التقليدية وحدها، بل تتجه بخطى ثابتة نحو تحالف معرفي–تكنولوجي يعكس فهمًا عميقًا لمتطلبات القرن الحادي والعشرين. ومن هنا، فإن التقاء الإرادة السياسية الأميركية مع الطموح الإماراتي قد يفضي إلى خارطة طريق جديدة تتجاوز العلاقات الثنائية، نحو إرساء نموذج إقليمي وعالمي للتنمية الذكية والاستقرار المستدام.
صداقة وقت الشدّة ورؤية مشتركة للمستقبل
يقول المثل الإنجليزي الشهير: "A friend in need is a friend indeed" — أي أن الصديق الحقيقي يُعرف وقت الشدّة. وهذا ما أثبتته الإمارات مرارًا للإدارات الأميركية كافة، وهذا ما يعرفه جيدًا ويقدّره الرئيس ترامب، الذي يؤمن بصدق أن دولة الإمارات شريك موثوق في الأزمات، وصديق حقيقي، ورؤيوي في صناعة الحاضر ورسم ملامح المستقبل.
اليوم، تفتح دولة الإمارات العربية المتحدة ذراعيها لاستقبال الرئيس دونالد ترامب بمحبة، وهو يدرك تمامًا مدى عمق العلاقات مع دولة الإمارات، القائمة على الاحترام المتبادل والندية المطلقة.
يزور ترامب الإمارات وفي جعبته هدفان لا غير: ترسيخ العلاقات الإستراتيجية مع هذا البلد الحليف والصديق، والتعاون سويًا من أجل رسم معالم مستقبل يكون أفضل للشعبين الإماراتي والأميركي، ولكافّة شعوب العالم.
إنها ليست زيارة اعتيادية، بل هي خطوة جديدة في طريق تحالف عالمي جديد، عنوانه: شراكة من أجل السلام، والتقدّم، وصناعة المستقبل.