نظام عالمي جديد وشرق أوسط قديم

شاركنا:
النظام الدولي القائم على الحقوق والقواعد لم يعد موجوداً (رويترز)

قبيل توجهه إلى قمة ميونخ للأمن، صرّح وزير خارجية الولايات المتحدة ماركو روبيو من المطار، قائلًا إنّ النظام الجيوسياسي العالمي في طور التغيير. وعند وصوله، وخلال كلمته في المؤتمر، قال بعبارات لا تحتمل التأويل، إنّ النظام العالمي القديم قد انتهى، وإنّ على الدول التكيّف بما يتماشى مع مصالحها، مضيفًا أنه ينبغي على حلفاء الولايات المتحدة الاعتماد على أنفسهم أمنيًا وعسكريًا، لكي تتمكن واشنطن من التركيز على الدفاع عن مصالحها ومصالحهم.


نتانياهو وشرق أوسط جديد

من جهته، أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس، أنّ النظام الدولي القائم على الحقوق والقواعد، لم يعد موجودًا كما كان، وأنّ على الدول التعامل مع هذه المتغيرات. في الجهة المقابلة، وخلال لقاء جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالرئيس الصيني شي جين بينغ في موسكو عام 2025، أشار الرئيس الصيني إلى أنهم بصدد تغيير النظام العالمي، وأنّ عصر الأحادية الأميركية قد انتهى على الأقل من المنظور الصيني-الروسي.

أما في الشرق الأوسط، فيبدو أنّ عدد الدول التي تقرأ المتغيرات الدولية، وخصوصًا تلك المرتبطة بالنظام العالمي، لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة. ففي خضمّ الحرب الإسرائيلية ردًا على هجوم 7 أكتوبر 2023، وبينما كانت إسرائيل تخوض مواجهات على جبهات عدة، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو جملة لم يفهمها كثيرون حينها، مفادها أنه "بصدد رسم شرق أوسط جديد بموازين قوة مختلفة للمئة سنة القادمة". علمًا أنّ المرة الأخيرة التي أُعيد فيها رسم الشرق الأوسط بحدوده الحالية، كانت عقب الحرب العالمية الأولى

من هنا، ينبغي قراءة المتغيرات الجيوسياسية في الشرق الأوسط عمومًا، وفي لبنان وسوريا خصوصًا، من منظور ما بعد هجوم 7 أكتوبر 2023. فاغتيال الأمين العام السابق لـ"حزب الله" حسن نصر الله، وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، لم يكونا حدثين عابرين في جيوسياسة الشرق الأوسط وانعكاسات تحولات النظام العالمي على المنطقة؛ بل على العكس، شكّلا جزءًا لا يتجزأ من عملية أوسع لإعادة صياغة الجيوسياسة الدولية والإقليمية.

القارئ في سياسات الشرق الأوسط، يدرك جيدًا أنّ المنطقة لطالما كانت عرضة للاغتيالات وسقوط الأنظمة، لكن ما حدث منذ 7 أكتوبر 2023 كان حدثًا جللًا مثّل بداية تنفيذ متغيرات كبرى. فقد أعادت إسرائيل تموضعها من دولة تنفّذ السياسات في المنطقة، إلى دولة ترسم هذه السياسات وتنفذها عبر أذرعها العسكرية والأمنية والسياسية. كما استطاعت أيضًا إعادة إيران التي كانت ممتدة النفوذ من العراق إلى اليمن، مرورًا بغزة ولبنان وسوريا إلى قلب طهران. 

اليوم انتهت، إلى حدّ كبير، المشكلة العسكرية في غزة، وإن بقي حتى كتابة هذه السطور بعض السلاح الخفيف لدى مجموعات من مقاتلي "حماس"، وهي لن تعود كما كانت سابقًا، رغم مستقبلها القاتم. أما في لبنان، فقد انتهت إلى حدّ ما هيمنة "حزب الله" على القرار اللبناني، نتيجة هزيمته العسكرية في حرب عام 2024، واغتيال قياداته، ومحاصرته ماليًا. ورغم استمرار وجوده وقوته المتآكلة، فإنّ للبنان اليوم وجهًا مختلفًا كليًا عمّا كان عليه في السابق.

وفي سوريا، التي تحوّلت بين ليلة وضحاها إلى نظام جديد، يبرز واقع سياسي لا يُظهر عداءً لا لإسرائيل ولا للغرب، رغم طابعه ذي الهوية الإسلامية. أما إيران، المنهكة إقليميًا والتي كانت تخوض معارك خارج حدودها، فقد أصبحت المواجهة اليوم داخلها؛ إذ تعرّض برنامجها النووي ومشروعها الصاروخي لضربات (إلى حدّ ما)، فيما يواجه نظامها ضغوطًا عسكرية غير مسبوقة، وخطرًا كبيرًا، ما لم يقبل بتسوية أميركية بشروط إسرائيلية. 

"نريد حلفاء يمكنهم الدفاع عن انفسهم"

ورغم هذا التحول العميق، فإنّ الشرق الأوسط يقف اليوم أمام خيارات صعبة، خصوصًا بالنسبة للدول التي ترفض الانخراط في المتغير الجيوسياسي الجديد. فمشروع الإسلام السياسي، سواء بصيغته العربية أو الإيرانية، يبدو أنه دخل مرحلة أفول واضحة كقوة إقليمية عابرة للحدود، وقادرة على إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية والوطنية. ومع ذلك، تبرز مفارقة لافتة في الحالة السورية، إذ إنّ النظام الجديد في سوريا يحمل، من حيث الهوية الأيديولوجية، سمات إسلام سياسي واضحة، لكنه في الوقت نفسه يتجه نحو التموضع كحليف للغرب، وخصوصًا الولايات المتحدة. ويواكب هذا التحول دعم عربي-تركي-غربي لبسط الاستقرار في سوريا، وترسيخ وحدتها، ومنع انزلاقها مجددًا إلى الفوضى، وذلك عبر مقاربة براغماتية تقوم على قنوات تواصل مباشرة مع إسرائيل، والسعي إلى إنهاء حالة العداء التقليدية.

أما في لبنان، فتبدو المعادلة أكثر حدّة ووضوحًا: إما الانخراط في مسار حوار مباشر مع إسرائيل ضمن ترتيبات أمنية وسياسية جديدة، أو مواجهة مخاطر العزلة الدولية والإقليمية. ويأتي ذلك في سياق إستراتيجية أميركية أوسع، تقوم على إعادة صياغة منظومة التحالفات في الشرق الأوسط، بحيث يصبح حلفاء واشنطن أكثر قدرة على الدفاع عن أنفسهم وحماية المصالح الأميركية، من دون الحاجة إلى وجود عسكري أميركي كثيف ودائم على الأرض، كما كان الحال في العقود الماضية

مع غياب القانون الدولي، وتآكل مفهوم المحرّمات والحقوق في العلاقات الدولية، يصبح تغيير حدود الدول أمرًا طبيعيًا وأكثر قابلية للحدوث، كما يتحوّل استمرار احتلال إسرائيل على أراضٍ في لبنان وسوريا والضفة الغربية، إلى واقع قائم، فيما يبقى القانون الدولي وحقوق الشعوب والدول، إلى حدّ كبير، حبرًا على ورق. في هذا السياق، يتبلور شرق أوسط جديد تُمسك الولايات المتحدة وحلفاؤها بمفاتيحه الأساسية. هنا تتراجع الخطوط الحمراء، وتفقد الاتفاقات والمعاهدات الكثير من وزنها الإلزامي، لتصبح القاعدة الحاكمة هي موازين القوة الصلبة. فإما أن تتموضع الدول إلى جانب القوة العسكرية المهيمنة في الإقليم، أو تواجه مخاطر التهميش والتفكك، كما شهد التاريخ اختفاء دول وكيانات عديدة عبر العصور.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الإستراتيجية الأميركية الجديدة للأمن القومي في الشرق الأوسط، والتي تقوم على مقاربة مختلفة جوهريًا: أمن إقليمي يرتكز على حلفاء وشركاء وأصدقاء قادرين على حماية أنفسهم ومصالح واشنطن، بدلًا من الاعتماد على انتشار عسكري أميركي كثيف ومباشر كما في المراحل السابقة. وعليه، فمن يقرأ ويفهم المتغيرات الأميركية في المنطقة، يرى أنها تقود إلى استنتاج شبه حتمي: لا خيار أمام الفاعلين الإقليميين سوى التكيّف مع واقع جديد يتمثل في شرق أوسط ذي هوًى أميركي واضح، تُدار توازناته وتُصان مصالحه إلى حدّ كبير عبر شبكة من الدول الصديقة والحليفة للولايات المتحدة، وليس عبر حضورها العسكري المباشر

يقول مايك روبيو في خطابه في ميونخ، "نريد حلفاء يمكنهم الدفاع عن انفسهم" فالمعركة المقبلة هي معركة وجود لأميركا وحلفائها في المنطقة والعالم، فإما أن ينتصروا معًا أو يزولوا معًا، ولكلّ وقعه الكبير على دول المنطقة والعالم.