تعتبر روسيا أنّ الصراع الجاري حاليًا بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، قد يتطور إلى حرب عالمية، وفي ذلك من وجهة نظر موسكو خطأ فادح ارتكبه الأميركيون، فقد انطلقت روسيا من مقاربتها من المحادثات التي أجراها المبعوث الرئاسي الأميركي ستيفن ويتكوف مع الجانب الإيراني قبل الضربات، والتي لم تُشر إلى الوصول إلى هذا الوضع الذي بدأته إسرائيل، ما رأت فيه موسكو تطورًا يُنذر على أنّ الصراع سيشتد.
من وجهة نظر موسكو، فهي تعارض هذه الحرب بشكل قاطع، ونتذكر عندما تحدثت روسيا عن الأوضاع الأمنية في أوروبا في العام 2021، غير أنّ مخاوفها آنذاك قوبلت بالتجاهل، وهو ما أدى إلى بدء العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا، ويتكرر هذا الأمر ذاته مع الحالة الإيرانية ما يهدد بالتصعيد إلى حرب خطيرة في الشرق الأوسط.
ولكنّ السؤال هنا، ماذا عن معاهدة الدفاع المشترك مع إيران؟ فعلى الرغم من التوقيع على هذه المعاهدة، والتي شملت شتى مجالات الدفاع، اختارت روسيا الحياد في هذا الصراع مع الإشارة إلى أنّ إسرائيل حليفتها أيضًا، وانكفأت عن التدخل خصوصًا إذا توسعت رقعة الحرب، فقد حاولت موسكو أن توازن موقفها عبر إدانة إسرائيل لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، واكتفت بهذا القدر منعًا لأيّ انزلاق إلى مواجهة مفتوحة، غير أنّ روسيا تستطيع لعب دور الوسيط لقربها من الطرفين، وهي كانت قد اقترحت سابقًا عن استلام المخزون النووي الإيراني، فيما يبدو أنّ طهران لا تريد ذلك على عكس الولايات المتحدة التي رحبت بالفكرة.
روسيا لن تتدخل لصالح إيران أو إسرائيل
وهذا يشير إلى أنّ التحالف بين روسيا وإيران ليس تحالفًا قويًا بقدر ما هو تحالف الضرورة في عالم قائم على رؤية عالم متعددة الأقطاب، ورغم ذلك إذا سقطت إيران فستخسر روسيا شريكًا استراتيجيًا مهمًا، لأنّ البديل عن النظام الحالي من السابق لأوانه معرفة توجهاته، وبالوقت نفسه، هذا الصراع يعود بالفائدة على روسيا خصوصًا مع إغلاق مضيق هرمز وتعطل الاقتصاد الطاقوي العالمي، ما يمنح موسكو ميزة قوية عند ارتفاع أسعار النفط، على الأقل قد تحول الصين صادراتها من إيران إلى موسكو حتى تتضح الصورة الكاملة.
بالتالي، إنّ أكثر شيء من الممكن أن تنجح فيه موسكو هو الدخول بوساطة جدية توقف هذه الحرب، وفي هذا الخصوص، عقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اجتماعًا مع مجلس الأمن الروسي لبحث الوضع حول إيران، كما أنّ السفارة الروسية في طهران تنشط في هذا المجال أيضًا، وتنطلق روسيا من ذلك على اعتبار أنّ هذا العدوان غير مبرر من وجهة نظرها، وذلك ما أدى إلى هذا التصعيد الخطير.
وهذا يقود إلى أنّ روسيا لن تتدخل لصالح أحد الأطراف في هذه الحرب، لأنّ الحرب الأوكرانية وصلت إلى مكان لا عودة منه سواء على مستوى المناقشات حول إنهاء الأزمة أو حتى على الصعيد الميداني، ما قد يصرف الانتباه نحو إيران ويخفت الوضع بالنسبة لأوكرانيا، ما قد يخفف الضغوط عن موسكو خلال هذه الفترة، خصوصًا وأنّ من غير المعروف كيف ستشتد هذه الحرب وهل تتحول من سياق حرب إقليمية إلى حرب عالمية عبر ضرب المصالح الإسرائيلية والأميركية خارج الإقليم.
بالتالي على روسيا استثمار هذا الوضع وتفعيل التهدئة من خلال الضغط على كل الأطراف لأنها شريك موثوق بالنسبة لإيران وإسرائيل معًا، في وقت لن تتوقف الأخيرة حتى تعتبر أنها حققت أهدافها المتمثلة بإسقاط النظام الإيراني وهو الذي لم يحدث بعد، لذلك على روسيا أخذ زمام المبادرة والمحاولة بشتى الطرق، لأنّ المتأثرين في هذه الحرب دول لها روسيا مصالح معهم خصوصًا في دول الخليج العربي.