من أبرز ما يلاحظ خلال فعاليات الدورة 38 الأيام المؤسسة التي انعقدت أواخر هذا الأسبوع لمدينة سوسة التونسية بتنظيم من المعهد العربي لرؤساء المؤسسات، هو ذلك الحيز المهم الذي خصص للنقاش حول سبل تطوير عمل الشركات الأهلية وإجراءات أحداثها وتمويلها.
وسواء من ناحية ما ورد في خطاب رئيس الحكومة التونسي في افتتاح التظاهرة من تنصيص واضح على إرادة سياسية لدعم هذا النوع من الشركات، أو من خلال ما تضمنته ورشات التفكير من نقاش في سبل تبديد العوائق أمام الشباب الحالم بفرصة استثمار واستقرار، فإن الاستنتاج المهم هو أننا خرجنا فعلا من طور البدايات المحتشمة إلى طور العمل الميداني الذي يتجه الى تثبيت أساسات صلبة تضمن نجاح التجربة.
والحديث عن الشركات الأهلية في تونس يعيدنا وجوبا إلى اندراجها صلب برنامج البناء الجديد الذي اختارته منظومة 25 يوليو لتجسيم تطلعات الشباب في المناطق المحرومة.
والفكرة أصلاً جاءت استجابة لما هدفت إليه انتفاضة 17 ديسمبر 2010 بمطالبها الاجتماعية التي تبناها بوضوح الرئيس قيس سعيد واعتمدها عنوانا ثوريا يقطع مع المحاصصة والتوظيف الحزبي ليكرس البعد الحقيقي للديمقراطية في معناها المساواتي بين الفئات والجهات.
وقد تأصلت الفكرة قانونيا عبر إصدار المرسوم عدد15 لسنة 2022 والذي يعرف الشركة الأهلية على أنها ممارسة جماعية للنشاط الاقتصادي انطلاقا من منطقة الاستقرار الترابي للسكان، وهنا يبرز بوضوح الفرق بين الشركات الأهلية وغيرها من أنواع الشركات إذ هي نشاط مناطقي بالأساس يشترط إقامة المساهم في المنطقة التي تتأسس بها الشركة، وبالتالي يكون الهدف هو العمل على الاستثمار في الموارد المحلية فلاحية كانت سياحية أو طاقية أو صناعية عن طريق أبناء الجهة بما يمكنهم من تحقيق الربح الفردي عبر العمل الجماعي.
تحقيق الرهانات
وهذا يفضي بالنتيجة إلى تشغيل عدد من سكان النطاق المحلي وخلق الثروة بما يشجع على الاستقرار والتعويل على الذات.
والحاصل في كل ذلك هو تحقيق جملة من الرهانات أولها الإدماج الاقتصادي والقضاء على التهميش وثانيها استحثاث آلية مضافة للنشاط الاقتصادي تسند عملية البناء الجديد لمسار التنمية في تونس.
ويتم العمل حاليا على تثبيت هذا النمط من النشاط الاقتصادي التعاوني كجزء من بناء ثلاثي للقطاعات المنتجة أي القطاع العام والقطاع الخاص والقطاع الأهلي وهي قطاعات تتحرك في تناغم تام لتحقيق الهدف المنشود.
لكن ما يظل مهما هو تحقيق تلك المعادلة الصعبة بين سمو الغابات نظريا وبين تعقد مسارات تنفيذها عمليا، وهو التحدي الأكبر الذي تعكف عليه حاليا جهود السلطة السياسية بمعية الهياكل المالية والتشريعية.
فهذا النوع من الشركات يحتاج إلى تمويل لا تكفي جهود الدولة وحدها إلى تأمينه ولذلك يتم تحفيز بنوك القطاع الخاص للإقبال على تمويل هذه الشركات بقروض ميسرة.
أما قانونيا فإن المرسوم الذي صدر في الغرض يبقى في حاجة إلى تشريعات مضافة تؤصل هذا النوع من النشاط الاقتصادي ضمن المنظومة الإجرائية للتفويت في الأراضي الدولية لفائدة الشباب المقبل على المشاريع الاستثمارية، وهذا عمل يحتاج إلى مبادرات تشريعية جريئة تقطع مع الروتين وتعقد الإجراءات.كما لا يخفى أن الشباب الذي شرع فعلا في تكوين شركات أهلية بدأ بعضها يلامس النجاح يظل في حاجة إلى برامج تكوين وتدريب على قيادة المشاريع وحسن تسييرها وتوظيف عائداتها.
إن الوعي قائم بهذا التحدي في دوائر القرار الرسمي والأهم أنه بدأ يجد طريقه الى الدوائر الاقتصادية الفاعلة، فاهتمام أصحاب المؤسسات التونسيين بهذه التجربة وتخصيص حيز من فعاليات أيام المؤسسة للبحث في تطوير الشركات الأهلية، يحيل إلى بداية اندماج الفكرة في نسيج اقتصاد تونس وهذا إيجابي على أن يتحول في المستقبل إلى منجز ملموس يحقق أحلام من كانوا أول الثائرين من أجل الشغل والحرية والكرامة.