"سنلاحقهم..سنحاسبهم"، ربما كانت آخر الكلمات التي قالها الشهيد شكري بلعيد قبل أن تعاجله يد الغدر الظلامي بوابل من الرصاص صباح السادس من فبراير 2013.
واليوم تمر 13 سنة على تلك المذبحة التي وشّحت سجل إخوان الظلام الحافل بجرائم إزهاق الأرواح، 13 سنة لن تكون كافية لتشويش الذاكرة التونسية المزدحمة ببصمات الوجع والثكل. لكنها كافية وزيادة لاستخلاص الرابط المتين بين الاغتيال وزمن الاغتيال، وبلغة أدق بين الزمن المادي للاغتيال وبين الزمن السياسي للاغتيالات بصيغة الجمع.
كان اغتيال الناشط السياسي والحقوقي شكري بلعيد مزلزلًا وعميق الأثر في تاريخ تونس الحديثة حيث حصلت على إثره تداعيات رهيبة على المستوى الشعبي والسياسي، كانت الشرارة التي أيقظت في البلد إرادة التخلص من الحاضنة السياسية للقتلة، ولو بذلك الثمن الباهظ الذي ترك بقع الدم تتكاثر بلا رادع ولا حسيب إلى حدود اللحظة الحاسمة في 25 يوليو 2021. زمن الاغتيالات الدامية أو لنقل عام الموت الذي امتدّ من أواخر 2012 إلى نهاية 2013 على وجه التركيز الزمني الدال.. كان هذا الزمن هو مفتتح حمام الدم في تونس وخلاله تبيّنت بوضوح تلك الازدواجية الآثمة، داخل حكم سياسي إخواني يخادع لفظيًا بمسمى الانتقال الديمقراطي ويطعن فعليًا بأذرع ميليشياوية وتكفيرية.
جاءت المقدمة الرهيبة في 14 سبتمبر 2012 بمهاجمة جماعة أنصار الشريعة لمبنى السفارة الأميركية بتونس، في مشهد مفضوح وقفت خلاله وزارة داخلية حركة النهضة بقيادة علي العريض هادئة مستكينة بلا حول ولا قوة، أمام مهاجمين تحركوا بحرية نحو مبنى السفارة، في حين خرج زعيمهم أبو عباض من جامع الفتح المطوق بالأمن طليقًا إلى وجهة غير معلومة.. وقف الجميع آنذاك على حقيقة أن الأمن التونسي ذي العقيدة الوطنية الراسخة، قد ناله ما نال مؤسسات تونس من اختراق بالعناصر الموازية القادمة من زمن الفتن الإخوانية وصار بدوره مقاومًا لعملية تفتيت ممنهج.. لم يكن هناك فراغ أمني بالمعنى التقليدي بل كانت هناك أياد تخلق هذا الفراغ لغاية في طيور الظلام نفسها.
بعد ذلك بشهر وتحديداً في 18 أكتوبر 2012 تم سحل الناشط السياسي لطفي نقض في مدينة تطاوين على يد ميليشيات محسوبة على حركة النهضة، تحت مسمى روابط حماية الثورة وكان واضحًا أن دم هذا الشهيد ينذر بدماء على الطريق.. وتواصلت حملات العنف والهرسلة والتهديد لتصل يوم 6 فبراير 2013 إلى إزهاق روح الشهيد شكري بلعيد في قلب العاصمة، بيد إرهابي نفذ الجريمة طليقًا وأمام العيون النائمة لحركة النهضة الحاكمة.. هنا انتفض الشعب وعبر في لحظة غضب مليونية عن إرادة التخلص من حكم الظلاميين.
ولأسباب يطول شرحها تم الالتفاف على مطلب الشعب الذي ضاع بين حسابات وأطماع الحكام والمتحاصصين على الحكم، فغيّرت النهضة ملعبها الحكومي من دون أن تغير منبتها الدموي، فراحت حكومة حمادي الجبالي وجاءت حكومة علي العريض وتواصل خلق الفراغ الأمني الملائم لإزهاق الأرواح، بل أوصل الزمن السياسي في الانزلاق إلى عتبات المحظور، وصلت إلى تونس وثيقة تحذيرية أميركية من اغتيال مرتقب للناشط السياسي محمد البراهمي، وسكتت إدارة الإخوان عن الكلام المباح إلى أن حصل الاغتيال فعلًا في صباح 25 يوليو 2013 وأيضا في قلب المدينة بسلاح متشابه مع الذي اغتيل به شكري بلعيد وبفواعل إرهابية متشابهة.. إنه زمن الموت القادم إلى تونس على عربات "ربيع" الغدر المزوق بوهم الانتقال الديمقراطي.
تحرك الشعب مجددًا في اعتصام الرحيل بل وغيّر ميزان القوة الانتخابي في سنة 2014 لكن الزمن السياسي لإخوان الظلام لم ينته بإقفال صندوق الاقتراع، بل تجاور مع الزمن السياسي الجديد تحت ستار حكم التوافق، واقتسم مجددًا لعبة مراكز النفوذ مع حركة نداء تونس فحافظ على أذرعه الأمنية والقضائية الموازية، وتواصل الإرهاب بنسق أكثر كثافة من عملية متحف باردو إلى تفجير حافلة الأمن الرئاسي، إلى عملية بن قردان، وتراكمت قضايا الدم والتسفير والجهاز السري وتبيض الأموال في الرفوف، دون أن يتجرأ "المتحاصصون" على الحكم على إخراجها من غبار النسيان.
في ذلك الزمن السياسي الموسوم بحكم إخوان الظلام استشهد سياسيون وجنود وأمنييون ومواطنون بسطاء في المناطق المحاذية للجبال التي تؤوي الإرهابيين.. لا حسيب ولا رقيب ولا رادع، حتى كان للشعب كلمة وللدولة كلمة وكان منعرج التاريخ في 25 يوليو 2021، حيث رفعت الأيادي الآثمة عن القضاء التونسي فأخرجت قضايا الاغتيال والتسفير والاختراق من الرفوف إلى جلسات المحاكم وتتالت الحقائق الدامغة تباعًا لتقيم الدليل الساطع على الأيادي التي طعنت البلد وخلفت في ثنايا بيوته أوجاعًا لا تنسى.
في ذكرى استشهاد المناضل الوطني شكري بلعيد من كل عام، كانت تبرز حقائق جديدة حفظها الزمن القانوني بعناية بعيدا عن أعين الزمن السياسي المتواطئ مع القتلة. وفي كل عام تأبى الذاكرة إلا أن تترك كثيرًا من الشجن والحزن في بيوت الثكالى والأرامل، لكنها لا تمر أيضا من دون أن تترك ملامح الفخر الوطني الجماعي بشهداء تونس الذين قدموا أرواحهم فداء للوطن.