موت رئيسي ومعركة الخلافة

شاركنا:
سارع خامنئي نفسه إلى تطمين الإيرانيين بعد مقتل رئيسي (رويترز)

لن يؤدي موت رئيس إيران إبراهيم رئيسي، في تحطّم مروحيته، إلى أي تأثير أو تغيير يذكر في نظام الحكم الإسلامي القائم في البلاد، أو في نهج حكامها، أو في سياساتهم، ما يجعل وفاته حادثة بلا تأثير في مجرى الأحداث اليوم.

لكن لرئيسي، غير الرئيس، دور كان متوقعا في مجرى الأحداث في المستقبل، إذ استشرف له كثيرون قيامه بدور محوري في عملية انتقال منصب المرشد الأعلى من علي خامنئي، في حال وفاته، إلى خلفه. حتى أن البعض كان يتوقع أن يكون رئيسي نفسه هو المرشد المقبل للجمهورية الإسلامية، وهو ما أسبغ على حادثة وقوع المروحية أهمية ظهرت معها نظريات المؤامرة على أنواعها.

التحقيق في مقتل رئيسي

والأرجح أن الحكومة الإيرانية ستشكّل لجنة للتحقيق في الحادثة، وأنه بغض النظر عن نتائجها، ستتراكم التكهنات ونظريات المؤامرة على مدى العقود المقبلة، منها أن منافس رئيسي الأول لمنصب المرشد هو نجل خامنئي، مجتبى، ما يجعل للأخير مصلحة في رحيل الرئيس الإيراني حتى تتقلص دائرة المنافسة وتسنح للابن فرص أكبر لخلافة الأب.

وسيذكي هذه النظرية حادثة موت رئيس إيران الأسبق علي هاشمي رفسنجاني، والذي كان من جيل الثوّار الأوائل وكان منافسا للخامنئي الأب نفسه في الحكم، بل انقلب عليه بعض الشيء وصار يرفع صوته في وجه النظام القائم، فعُثِر عليها ميتا في العام 2017 في "بركة سباحة فرح"، التابعة لمجمّع مباني "مجلس تشخيص النظام"، فيما أعلنت السلطات أنه وصل المستشفى حيا وفي حالة صعبة لكن الأطباء لم ينجحوا في إنقاذه.

وفي وقت لاحق، صرّح أفراد عائلة رفسنجاني أن السلطات لم تسمح لهم برؤية الجثمان أو الاطلاع على تقارير الطب الشرعي. وبرحيل رفسنجاني، رحلت عقبة كبيرة في عملية توريث خامنئي منصبه إلى نجله مجتبى أو إلى أي شخصية أخرى يختارها.

وبالنظر إلى وفاة رفسنجاني التي ما يزال يلفها الغموض ونظريات المؤامرة، ستحيط حادثة مقتل رئيسي في تحطم مروحيته نظريات مشابهة.

خامنئي الابن

ومع رحيل رئيسي، تصبح الطريق مفتوحة أكثر أمام خامنئي الابن، على رغم الاعتقاد السائد أن وجود رئيسي في منصب رئيس البلاد للأعوام الخمسة المقبلة كان سيضمن انتقال منصب المرشد، البالغ من العمر 85 عاما، بسهولة وسلاسة إلى مجتبى.

وفي الماضي القريب، سبق أن تم تحييد رجال أقوياء في أنظمة بائدة كان من المتوقع أن يلعبوا أدوارا حاسمة لولا وفاتهم. من هؤلاء كان وزير دفاع العراق وابن خال الرئيس الراحل صدام حسين وشقيق زوجته وصديق طفولته عدنان خيرالله، الذي لقي حتفه في حادثة تحطم مروحيته في عام 1989، في طريق عودته من الشمال إلى بغداد، إثر هبوب عاصفة رملية.

وكان عدنان خيرالله برز كواحد من أبطال انتصار العراق على إيران في الحرب بين الدولتين، التي بدأت في عام 1980 ودامت ثمانية أعوام، فارتفعت شعبيته بين العراقيين، بما في ذلك بين أركان الحكم والدائرة المصغّرة المحيطة بصدّام، والتي كانت منحدرة في غالبيتها من مدينة تكريت الشمالية وضاحيتها قرية العوجة.

وكان عدنان خيرالله نفسه طيارا، لكنه لم يكن يقود المروحية، بل هو انطلق بعد انطلاق مروحيتين سبقتا رحلته ووصلتا سالمتين. أما مروحية وزير الدفاع الراحل، فغابت عن الرادار لساعات إلى أن عثر على حطامها عرب البادية كانوا يخيّمون في موقع قريب من مكان سقوطها، ونقلوا الوزير ومرافقيه إلى مستشفى، أحياء كانوا أم أمواتا.

خلل تقني

وشكّل صدام لجنة تقصي حقائق برئاسة اللواء سيف هموندي، الذي أصدر تقريرا أصرّ فيه على أن الحادثة كانت خللا تقنيا بحتا، بدون أي عبث لمخربين يمكن أن يكونوا استهدفوا الوزير. ويتمسّك هموندي بروايته حتى اليوم، بعد أكثر من عقد على سقوط نظام صدّام وموته شنقا.

وأدى رحيل عدنان خيرالله إلى مضي صدّام في إضعاف الجيش العراقي النظامي خوفا من محاولات الانقلاب، واستبدله ببناء حرس جمهوري وضعه بقيادة صهريه صدام وحسين كامل، وما لبث هذان أن انشقا عن النظام ولجآ هربا إلى عمّان، قبل أن يستدرجهما صدّام ويعيدهما إلى بغداد في 1996، حيث قاد أركان الحكم التكارتة عملية تصفيتهما و"غسل الشرف العشائري"، الذي يفترض أنه تلطخ بخيانتهما. منذ ذلك الحين،

صارت طريق خلافة صدّام مفتوحة أمام نجله الأصغر قصي، الذي قضى في مواجهة مسلحة مع قوات أميركية كانت تهدف لاعتقاله بعد سقوط نظام والده في عام 2003.

قد لا تكون حادثة مقتل رئيسي بهذا الشكل من التآمر الذي يفضي إلى فتح الطريق عن قصد أمام مجتبى خامنئي لخلافة والده، وقد تكون الحادثة مجرد خلل في مروحية أميركية الصنع، ورثتها الحكومة الإيرانية من نظام الشاه الراحل في عام 1979، أو ابتاعتها في عام 2000، وما تزال تستخدمها حتى اليوم بالرغم من تهالكها مع الزمن واستعصاء قطع الغيار الأميركية والصيانة عن متناول الحكومة الإيرانية.

ولكن حادثة سقوط مروحية رئيسي ترافقت مع خطوات وتصريحات قد تشي بأن عملية اهتزاز كانت تجري داخل النظام، إذ سارع خامنئي نفسه إلى تطمين الإيرانيين، حتى قبل إعلان وفاة الرئيس، إلى أن الحادثة لن تؤثر في أوضاع إيران، فيما أوردت وكالة "أسوشيتد برس" خبر انتشار كثيف لقوات أمن النظام والحرس الثوري بثياب مدنية وعسكرية في أحياء طهران والمدن الكبرى في البلاد.

(المشهد)