بعد العدوان الإسرائيلي على القصر الجمهوري ورئاسة الأركان في 16 يوليو خرج الرئيس السوري أحمد الشرع ليصف إسرائيل بـ"الكيان الإسرائيلي" لأول مرة بدلاً من "إسرائيل". وقال الشرع: "إنَّ السوريين لا يزالون على أهبة الاستعداد للقتال من أجل كرامتهم في حال مسها أي تهديد". وأضاف إن "إسرائيل تحاول تمزيق سوريا، وحاولت تحويل سوريا إلى ساحة فوضى غير منتهية". وبينما اعتبر الشرع أن خيار الحرب المفتوحة مع إسرائيل كان وارداً، قال: إنه تم "تقديم مصلحة السوريين على الفوضى والدمار".
العدوان الإسرائيلي على سوريا
العدوان الإسرائيلي على سوريا وكلمة الرئيس الشرع بعده ربما نسفا أي أمل بالتوصل لاتفاقيات أمنية بين البلدين أو معاهدة سلام أو انضمام سوريا إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، كما أمل الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال لقائه الرئيس أحمد الشرع في 14 مايو في الرياض بحضور ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.
في العودة إلى الواقع كانت جبهة الجولان قد هدأت تماماً في 31 مايو 1974 بعد توقيع اتفاقية الهدنة في جنيف برعاية الأمم المتحدة وكل من واشنطن وموسكو عقب حرب أوكتوبر التي كرست فيها إسرائيل احتلالها للأراضي التي احتلتها في 5 يونيو 1967 وحافظت الجبهة على هدوئها حتى 8 ديسمبر 2025 يوم سقوط النظام السابق حيث اعتلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو قمة جبل الشيخ مع وزير دفاعه إسرائيل كاتس معلناً انهيار هدنة 1974 وقام باحتلال المنطقة العازلة وقمم في جبل الشيخ وتوغل في كل من محافظتي القنيطرة ودرعا!
وعلى الرغم من التوغل الإسرائيلي إلا أن الرئيس الشرع صرح أكثر من مرة أن سوريا لن تشكل أي تهديد لجيرانها ومنها إسرائيل، حتى أنه صرح للمجلة اليهودية في 28 مايو الماضي بأن لكل من إسرائيل وسوريا "عدو مشترك" وإن سوريا ليست في صدد الدخول في حروب لأن الهم الأول عندها هو رفع العقوبات وإعادة الإعمار.
وأعلن الشرع خلال زيارته لباريس ولقائه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن محادثات غير مباشرة مع إسرائيل ما جعل الكثير من السوريين يتفاءلون بأن يتم التوصل للعودة إلى اتفاق هدنة 1974 ولكن بدلاً من أن يكون لهذه التصريحات صدىً إيجابياً لدى تل أبيب زادت إسرائيل من توغلاتها في المناطق الجنوبية، وكثفت من ضرباتها الجوية لمعظم الأراضي السورية لتدمير ما تبقى من بنى تحتية وعسكرية.
والسؤال الآن: هل ستقبل إسرائيل يوماً بالتراجع إلى اتفاق هدنة 74 أو استرجاع الجولان المحتل بعد استقواء بعض القوى الدرزية بها وطلب حمايتها، ما جعلها تضرب حتى رئاسة الأركان والقصر الجمهوري، أم أنها ستسعى إلى تقسيم سوريا وهو ما صرح به نتنياهو عقب سقوط النظام السابق، أو على الأقل ستسعى إلى فرض منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري تشمل كل من مرتفعات جبل الشيخ التي احتلتها مؤخراً ومحافظات القنيطرة ودرعا والسويداء ومنع الدولة السورية من نشر جيشها وقوى أمنها وسلاحها الثقيل في السويداء ما يجعلها في موقع اللامركزية، وبذلك تكون السويداء لحقت بشرق الفرات من خلال إدارة مؤسساتها من قبل أبنائها دون تدخل الحكومة المركزية في دمشق.
مساعي توم براك
والسؤال الآخر: أين ذهبت المساعي الأميركية وجهود المبعوث الأميركي توماس براك بإنهاء الإدارة الذاتية الكردية وعودة سوريا دولة مركزية موحدة؟
يقول متابعون: إن الاندفاعة الأميركية تجاه سورية قد تخفت لثلاثة أسباب:
- الأول: عدم رغبة إسرائيل في إعادة الجولان والأراضي التي احتلتها بعد 8 ديسمبر
- الثاني: المراهنة على انفلات الوضع في سوريا والانزلاق إلى حرب أهلية، وهذا ربما ما تريده الولايات المتحدة وإسرائيل.
- الثالث: التذرع بوجود متطرفين من العشائر ومن فصائل غير منضبطة ما يعني عدم قدرة الدولة السورية على قتال داعش ومنع التطرف وبالتالي العودة للعقوبات والتهديد، وهو ما صرح به ماركو روبيو وزير خارجية الولايات المتحدة الذي طالب السلطات السورية بمنع "داعش" أو أي متطرفين من دخول محافظة السويداء، في جنوب البلاد، محذراً السلطات في دمشق من أنها إذا أرادت الحفاظ على أي فرصة لتحقيق سوريا موحدة وشاملة وسلمية، خالية من "داعش" والسيطرة الإيرانية، فعليها المساعدة في إنهاء هذه الكارثة".
خلاصة ما يمكن قوله: إن إسرائيل اليوم تشعر بفائض القوة وإنها ترى في سوريا بلداً ضعيفاً ممزقاً لا بل يجب العمل على تفتيته وتقسيمه كما كشفت صحيفة إسرائيل هيوم في 9 يناير الماضي عن عقد اجتماع سري محدود في مجلس الوزراء الإسرائيلي انتهى باقتراح عقد مؤتمر دولي لتقسيم سوريا إلى كانتونات! ولهذا لن تسعى إسرائيل إلى اتفاقية سلام معه بل ستسعى لتفتيته وتمزيقه، وأحداث محافظة السويداء الأخيرة خير مثال على ذلك، لذا ليس أمام السوريين سوى العمل على توحيد بلادهم وإعادة بنائها، وحينها يمكنهم التفاوض بندية والمطالبة بعودة أراضيهم المحتلة.