إيطاليا.. مع أنتونيللي وضدّه!

آخر تحديث:

شاركنا:
"الإعصار كيمي" حطم العديد من الأرقام القياسية في الموسم الجاري (رويترز)

يدنو الإيطالي الشاب كيمي أنتونيللي بثقة من منصة التتويج بلقب بطل العالم لسباقات سيارات "فورمولا 1" للمرة الأولى، بدليل تقدمه في صدارة ترتيب السائقين بفارق 81 نقطة عن أقرب مطارديه، قبل 9 جولات على الختام.

يولد الطفل الإيطالي بقلبٍ مطليٍّ بالأحمر ويتربّى على عشق "فيراري"، بيد أن أنتونيللي (20 عاماً) فرض على الأمة مقاربة مختلفة قائمة على سؤال: هل تقبلون بي، أنا ابن جلدتكم، بطلاً للعالم بالزّي الفضي والأسود للغريم "مرسيدس" وليس بالزّي الأحمر الشهير لـ "فيراري"؟

الإجابة لم تكن واضحة في 6 سبتمبر الجاري عندما استضافت حلبة مونزا الشهيرة، سباق جائزة إيطاليا الكبرى. يومها توّج أنتونيللي، ابن البلد، رغم انطلاقه من المركز 19 بسبب عقوبات المحرك، قبل أن يشق طريقه بـ 26 تجاوزاً، محطماً الرقم القياسي، على هذا الصعيد، منذ بدء تسجيل البيانات الحيوية.

وكي "يكتمل العيد"، جاء الفوز ليكسر عقدة انتظار دامت 60 عاماً لم تعش فيها حلبة مونزا فوز سائق إيطالي بالسباق، منذ لودوفيكو سكارفيوتي سنة 1966.

غصة عاطفية

سائق إيطالي يفوز بالسباق الإيطالي أمام جمهور إيطالي ولكن مع فريق غير إيطالي. هل يتوجب على الإيطاليين أن يسعدوا بالنتيجة؟

الجمهور الموجود في مونزا لم يكن كل الجمهور الإيطالي المتيّم بـ"فيراري"، لكن من وجد هناك في ذلك اليوم كان حاملاً الأعلام الحمراء، ويحتفل بأنتونيللي مع شعور ممزوج بغصة عاطفية.

"الإعصار كيمي" حطم العديد من الأرقام القياسية في الموسم الجاري، لكنه لم يكتب مجده بألوان "فيراري" بل مع "مرسيدس" الألمانية، حتى أنه عاد، بعد مونزا، للفوز بسباق مدريد، الثامن له هذا الموسم، واقترب أكثر من اللقب العالمي.

انتصارات فرضت واقعاً دقيقاً دفع الشارع الرياضي الإيطالي إلى انقسام عاطفي فريد من نوعه حيث تمتزج مشاعر الفخر القومي الجارف بغصّة حقيقية تجاه "فيراري".

كبرى الصحف المحلية انفجرت بعناوين تاريخية بعد سباق مونزا، واضعةً إدارة "الحصان الجامح" - وهو لقب "فيراري" - تحت مجهر اللوم والضغط، وعنونت "لا غازيتا ديللو سبورت" غلافها بـ "جنون كيمي!"، وعلقت على مشهد الجماهير قائلة: "فيراري هي فيراري ولا يمكن لأحد مساسها. لكن ما حدث في مونزا كان استثنائياً، فالجماهير التي ترتدي اللون الأحمر صرخت وهتفت باسم شاب في العشرين من عمره يقود سيارة فضية لأنه التهم الأسفلت والمنافسين ببراعة".

"كورييري ديللو سبورت" أشارت إلى أن السرعة في إيطاليا لم تعد حكراً على مارانيلو، البلدة الإيطالية الصغيرة الواقعة في شمال البلاد والتي تكتسب شهرتها العالمية كونها المعقل التاريخي والمقر الرئيسي لشركة فيراري وفريقها لسباقات فورمولا 1".

سيناريو مثالي

لا يخفي الشارع الرياضي الإيطالي رغبته بانتقال أنتونيللي إلى حظيرة "فيراري" والفوز باللقب العالمي. سيكون ذلك بمثابة حلم يتحقق بيد أنه صعب المنال في الفترة الراهنة لأن "أكاديمية مرسيدس" هي من تبنّى كيمي منذ سن الـ11، وكان رئيس الفريق، توتو وولف، يجهزه ليصبح خليفة للبريطاني لويس هاميلتون، بطل العالم 7 مرات (رقم قياسي بالتساوي مع الألماني ميكايل شوماخر).

وعندما وقّعت "فيراري" مع هاميلتون ليزامل شارل لوكلير القادم من إمارة موناكو، كان أنتونيللي في بداية مشواره ولم يثبت نفسه بعد في سباقات "الفئة الأولى"، بينما وثقت "مرسيدس" بموهبته الفذة ليكون خليفة هاميلتون نفسه المنتقل إلى الحظيرة الإيطالية الساعية دائماً لاختيار "البطل الجاهز" وصاحب الخبرة بهدف المنافسة الفورية.

هنا، يشعر جزء كبير من جماهير "فيراري" بالندم ويلقي باللائمة على إدارة الفريق على "إضاعة" أنتونيللي. يرى هؤلاء بأن التفريط بـ "موهبة الجيل" وتركها لـ "مرسيدس" يشكلان خطأ تاريخياً. ولا شكّ في أنّ هذه النبرة تزداد حدة لأن "مرسيدس" نفسها تتصدر بطولة الصانعين حالياً بفارق مريح.

وما يزيد الطين بلّة أن الإعلام الإيطالي يضع أداء أنتونيللي دائماً في مقارنة مباشرة مع ثنائي "فيراري"، لوكلير وهاميلتون. ورغم أنّ الأخير يقدم موسماً جيداً، إلا أن رؤية شاب إيطالي يتفوق عليه وعلى أساطير هذه الرياضة الميكانيكية النخبوية تثير حماسة الصحافة لكتابة عناوين مثل "البطل المستقبلي الذي يرتدي الفضي عوضاً عن الأحمر".

فخر قومي

يرى البعض بأن نهاية أنتونيللي ستكون بالتأكيد في حظيرة "فيراري" التي تترافق القيادة لفريقها مع ضغوط إعلامية وجماهيرية هائلة، خصوصاً إذا كان السائق إيطالياً.

خبراء كثر تحدثوا عن أن بزوغ نجم كيمي بعيداً عن ضغوطات "مارانيلو" سمح له بالنمو والتألق بشكل أسرع وأكثر راحة مع "مرسيدس".

صحيح أن بعض جماهير "فيراري" فرح بعد تتويج أنتونيللي في مونزا، غير أن ذلك ما حصل إلا بدافع دفين يحمل تمنيّاً بانتقال السائق الشاب مستقبلاً إلى حيث يجب أن يكون. هي قصة الفخر القومي الذي تفوق، في تلك اللحظة فقط، على التعصب لفريق، واللحظة التاريخية التي تصالح فيها الجمهور، ربما، مع "اللون الفضي"، حباً في دماء إيطالية لا تعرف المستحيل.

ثمة قناعة، رغم الغصة، بأن إيطاليا سعيدة بولادة أسطورة جديدة أثبتت أن الشغف بالسرعة عاملٌ قادر على قيادة صاحبه إلى الفوز حتى لو لم يكن مكسوّاً باللون الأحمر.

قد يصبح أنتونيللي، وهو أصغر من يتصدر الترتيب العام في تاريخ البطولة والأصغر انطلاقاً من الخط الأول، السائق الإيطالي الثاني الذي يمنح اللقب لبلاده من دون أن يكون في عداد فيراري، بعد جوزيبي نينو فارينا مع "ألفا روميو"، والمتوّج بأول نسخة من البطولة عام 1950.

معلوم أن فيراري اعتمدت تاريخياً على أجانب لتحقيق المجد، وفازت بفضل 8 سائقين غير إيطاليين بـ 13 لقباً من أصل 15، هم شوماخر (5 ألقاب)، النمساوي نيكي لاودا (لقبان)، وكل من الأرجنتيني خوان مانويل فانجيو، البريطانيين مايك هوثورن وجون سورتيس، الأميركي فيل هيل، الجنوب إفريقي جودي شيكتر، والفنلندي كيمي رايكونن (لقب واحد لكل منهم).

مشاعر متضاربة يعيشها الإيطاليون "العاطفيون" طبيعةً. يختبرون، ربما، "الوطنية الرياضية المتوازية"، إذ يشجعون فيراري كفريق، وأنتونيللي كسائق.

ويبقى الحلم الأكبر متمثلاً في رؤية موهبة وطنية فذّة تقود سيارة "الحصان الجامح" الحمراء نحو خطِ نهايةِ انتظارٍ دام طويلاً، تحديداً منذ 1952 و1953 عندما حمل سائق إيطالي يدعى ألبرتو أسكاري بلاده عبر "فيراري" لولوج النقطة الأعلى من منصة التتويج العالمي.