يمكن القول إن سقوط النظام السوري السابق حقق 3 أمور لم تكن لتتحقق لو كان ما زال موجوداً.
أولها: عودة سوريا موحدة تسيطر عليها سلطة واحدة، وثانيها: إمكانية عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم والبدء بإعادة الإعمار.
وثالثها: انتعاش اقتصادي بعد سنوات من الحصار والعقوبات.
تثبيت الأمن والاستقرار في سوريا
لذا يمكن القول: إن ثمة تحديات كبيرة تنتظر الحكومة الانتقالية الحالية برئاسة محمد البشير والتي تنتهي ولايتها في الأول من مارس المقبل.
الأول: تثبيت الأمن والاستقرار وتأمين سلامة الأشخاص وحرمة البيوت والممتلكات الخاصة والعامة .
الثاني: تأمين الخدمات والاحتياجات الأساسية اليومية للمواطنين من غذاء ودواء ووقود ومواجهة ارتفاع الأسعار والعمل على زيادة الرواتب والحد من تدهور العملة السورية في وجه العملات الصعبة مع تسهيل تحويل الأموال من الخارج.
الثالث: تأمين عودة اللاجئين السوريين من دول الجوار والدول الأوربية خصوصاً أن الكثير من الدول أعلنت أنها ستوقف قبول طلبات لجوء السوريين لا بل عرضت مبالغ مالية لمن يريد العودة إلى سوريا كالدنمارك والنمسا .
الرابع: تأمين العدالة الاجتماعية وسيادة دولة القانون وهو ما قاله قائد العمليات العسكرية أحمد الشرع في لقاء مع مجموعة صحفيين من أنه لا يمكن قيادة الدولة بعقلية الثورة وهناك حاجة إلى سيادة القانون وبناء دولة المؤسسات وضمن هذا البند سيتم محاكمة مجرمي الحرب ومرتكبي الانتهاكات من رموز النظام السابق وتلك مهمة لن تكون سهلة.
الخامس: إعادة بناء الجيش السوري من خلال حل الفصائل ودمج عناصرها في جيش وطني وبناء جيش تطوعي مع الإعلان عن إلغاء الخدمة الإلزامية.
السادس: مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية من خلال تدمير الجيش السوري واحتلال المزيد من المناطق والقرى في جبل الشيخ حتى أنها وصلت إلى قلب مدينة القنيطرة بعد الاستيلاء على المنطقة العازلة، وإعلان نتانياهو انتهاء العمل باتفاقية فك الاشتباك 1974.
السابع: بسط سيطرة الدولة الوليدة على المناطق التي تقع تحت سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" ولا سيما أن هذه المناطق المليئة بالثروات النفطية والزراعية أصبحت تتطلع للتخلص من حكم "قسد" والانضمام للحكومة المركزية في دمشق وقد شهدنا اندلاع المظاهرات في تلك المناطق ومسارعة "قسد" لقمعها ورفع العلم السوري الجديد في جميع مناطق الإدارة الذاتية، والسؤال هنا: هل ستسحب الولايات المتحدة قواتها من تلك المنطقة وتقطع علاقتها بقسد ولا سيما أن الرئيس المنتخب دونالد ترامب كان أعلن أكثر من مرة نيته الانسحاب من سوريا؟!
إعادة النظر بالقرار الأممي 2254
وهنا نذكر بما قاله أحمد الشرع قائد العمليات العسكرية من أن "قسد" ليست حالة سورية في الداخل السوري وإنما هم مرتبطون بحزب العمال الكردستاني، وقال: "إن كانوا حالة سورية سيُدمجون في الجيش السوري"، لكنه أكد على أن المواطنين الكرد جزء من سوريا وبأن المظلومية التي وقعت علينا وقعت عليهم وإن سكان عفرين سيعودون إلى بلداتهم وقراهم.
والسؤال الآن: هل ستكون هذه الحكومة المؤقتة قادرة في هذه الفترة القصيرة على مواجهة كل هذه التحديات وهي ما زالت في طور الولادة؟ وهل ستحظى بدعم عربي ودولي لمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية وإيقاف التوغل الإسرائيلي في جبل الشيخ والقنيطرة ودرعا ووقف الضربات الجوية على الرغم من أن الشرع قال بأن سوريا ليست بصدد خوض حرب مع إسرائيل.
والسؤال الأخر: هل ستقدم هذه الحكومة على تعديل الدستور الحالي أو كتابة دستور جديد وهو ما أكده الشرع من أن ثمة لجنة خبراء تعمل على تعديل الدستور الحالي أو إلغائه أو كتابة دستور جديد وهذه اللجنة ستراعي الخصوصية السورية، ولكن هل سيكون ذلك بمشاركة كل المكونات الاجتماعية والأطياف السياسية بما فيها بقايا النظام السابق؟!
هنا نتوقف مع ما قاله الشرع أيضاً من أن الائتلاف وغيره من أطياف المعارضة كانت تذهب إلى السفارات والدول وتطلب إسقاط النظام، لكن الأمر لا يتم بهذه الطريقة بحسب قوله مبيناً أنه لن يقبل أبداً المحاصصة ومن سيأتي إلى الداخل سيأتي بشكل فردي وليس بشكل كيان، ومن يستحق المنصب سيصل إليه، وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه طالب غير بيدرسون مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا خلال لقائه به ضرورة إعادة النظر بالقرار الأممي 2254 بسبب تغير الظروف وغياب الطرف الأخر.
يبقى القول: إنه من المبكر الحكم على ما تقوم به القيادة السياسية الحالية والحكومة المؤقتة وإنه لا بد من الانتظار حتى انتهاء الفترة الانتقالية وعندها يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود وما ينتظر سوريا من مستقبل، وخصوصا أن الشرع قال: "إذا لم يجبرني الناس على الترشح لمنصب الرئاسة سأكون مرتاحاً"، وقال: "أنا في دمشق وهذا يكفيني، وإننا لن نترك ما بذلناه من تضحيات لنظهر بصورة مثالية، وفي هذا إشارة إلى أنه من الممكن أن يعلن ترشحه إذا ما ذهبت الأمور إلى انتخابات رئاسية".
إذاً سوريا اليوم أمام مرحلة جديدة وتحديات كبيرة تختلف عن 60 سنة مضت أي منذ انقلاب حزب البعث واستلام الحكم في الثامن من مارس 1963.