المرأة والسياسة في المغرب

آخر تحديث:

شاركنا:
معركة المرأة المغربية من أجل المشاركة السياسية ليست معركة من أجل المقاعد

لم يعد إشراك المرأة في الحياة السياسية بالمغرب مجرد مطلب حقوقي ترفعه الحركة النسائية أو تدافع عنه بعض النخب الحداثية، بل أصبح توجها مؤسساتيا للدولة، تُرجم عبر مجموعة من الإصلاحات الدستورية والقانونية والتدابير السياسية الرامية إلى توسيع حضور النساء في المؤسسات المنتخبة ومراكز القرار. وقد جاء هذا التحول في سياق تطور الوعي المجتمعي بمبدأ المساواة، والتزامات المغرب الدولية، والحاجة إلى تجاوز الاختلال التاريخي الذي جعل الحياة السياسية مجالا يهيمن عليه الرجال، رغم أنّ النساء يشكلن نصف المجتمع ويتحمّلن نصيبا أساسيا من مسؤولياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ما جعل أدوار النساء تبرز في كل قطاعات الحياة العامة، كما تبرز معها كفاءتهنّ ومردودية عملهنّ المباشر.

مقاومة ثقافية لمبدأ المساواة

وقد اتخذت هذه الإرادة السياسية للدولة أشكالا متعددة، بدءا من اعتماد نظام "الكوتا" واللوائح الوطنية المخصصة للنساء، مرورا بتطوير الترسانة القانونية المرتبطة بالمشاركة السياسية، وصولا إلى المقتضيات الدستورية التي كرست المساواة والمناصفة باعتبارهما مبدأين مؤطّرين لبناء المؤسسات. وقد أسهمت هذه التدابير في توسيع قاعدة المشاركة النسائية، ورفع عدد النساء داخل البرلمان والمجالس المنتخبة، حتى بلغت نسبة تمثيلهنّ في الانتخابات الأخيرة، بحسب الرقم المعلن رسميا 27.1%، (تولي 107 نساء من أصل 395 عضوا بالبرلمان). في مقابل 23.4% في الانتخابات السابقة سنة 2021، وهو تطور لا ينبغي الاستهانة به، بالنظر إلى طبيعة العوائق الاجتماعية والثقافية والسياسية التي ظلت تحدّ من وصول النساء إلى مواقع المسؤولية.

غير أنّ المفارقة اللافتة، هي أنّ هذا التقدم المؤسساتي لم يواكبه دائما تطور مماثل في النقاش العمومي، الذي كشف، في بعض تجلياته، عن استمرار النظرة التقليدية تجاه المرأة، وعن مقاومة ثقافية لمبدأ المساواة، حتى عندما تصبح هذه المساواة جزءا من الاختيارات الدستورية والسياسية للدولة.

لكنّ النقاش العمومي الذي رافق هذا التحول، أعاد في بعض الأحيان، طرح أسئلة كان يُفترض أنّ المجتمع تجاوزها، من قبيل: هل المرأة مؤهلة لتولي المسؤوليات السياسية؟ وهل تتوافر فيها الشروط التي تسمح لها بتدبير الشأن العام وقيادة المؤسسات؟ والمثير في هذا النقاش أنه لم ينطلق دائما من تقييم الكفاءة السياسية والتجربة التدبيرية للنساء، أو مناقشة البرامج والاختيارات، وإنما عاد في بعض مواقعه إلى مرجعيات فقهية تقليدية، تستمد تصوراتها من اجتهادات تاريخية أنتجتها مجتمعات كانت فيها السلطة والولاية العامة حكرا على الرجال.

وفي هذا السياق، جرى استحضار أحاديث منسوبة إلى النبي، من بينها الحديث المشهور: "لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة"، باعتباره حجة نهائية ضد أهلية المرأة لتولي المناصب السياسية. كما استُحضرت اجتهادات فقهية قديمة، ربطت الولاية العامة بالذكورة، وجعلت منها شرطا من شروط الإمامة والقيادة. غير أنّ الإشكال المنهجي هنا يتمثل في التعامل مع هذه الاجتهادات وكأنها أحكام أبدية منفصلة عن سياقاتها التاريخية والاجتماعية، وليس باعتبارها نتاجا لمرحلة معينة من تطور الفكر السياسي الإسلامي، حيث كانت طبيعة الدولة ومؤسساتها ومفهوم السلطة تختلف جذريا عما نعرفه اليوم.

المساواة ليست تنازلًا تمنحه الدولة للمرأة

إنّ استدعاء التراث الفقهي للحسم في قضايا المواطنة والسياسة المعاصرة، يطرح سؤالا أعمق يتعلق بحدود سلطة الفكر الموروث على المجتمع الحديث. فالدولة المغربية اليوم دولة دستورية، تستند إلى مبدأ المساواة بين المواطنين والمواطنات، وتقر بحق المرأة في الانتخاب والترشح وتولّي المسؤوليات، ولا يمكن أن تجعل اجتهادا فقهيا قديما، أعلى مرتبة من مقتضيات الدستور والقانون، خصوصا بعد أن تم إقرار مبدأ "سمو المعاهدات الدولية على التشريعات الوطنية" في الدستور المغربي منذ سنة 2011، كما أنّ الحديث عن أهلية المرأة، لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة جماعية لنصف المجتمع، لأنّ الأهلية السياسية ليست صفة بيولوجية مرتبطة بالجنس، وإنما هي قدرة فردية تتحدد بالتكوين والمعرفة والخبرة والنزاهة، والقدرة على اتخاذ القرار وتحمّل المسؤولية.

ومن جهة أخرى، فإنّ هذا النقاش يكشف عن أنّ الإصلاح المؤسساتي، مهما بلغت أهميته، لا يستطيع وحده تغيير العقليات والتمثلات الاجتماعية. فالدولة قد تفتح أبواب المؤسسات أمام النساء، وتسنّ القوانين التي تضمن مشاركتهن، لكنّ المجتمع قد يظل أسير تصورات ثقافية تجعل الرجل النموذج الطبيعي للسلطة والقيادة، وتنظر إلى المرأة باعتبارها استثناءً يحتاج دائما إلى إثبات أهليّته. وهنا تظهر الفجوة بين التحديث القانوني والتحديث الثقافي، وبين ما تقرره المؤسسات وما تستبطنه بعض العقليات في تمثلاتها عن المرأة ومكانتها.

ومن هذا المنطلق فإنّ الرهان الحقيقي اليوم، لا يكمن فقط في رفع نسبة النساء داخل البرلمان والحكومة والمجالس المنتخبة، رفعا كمّيا، بل في الانتقال النوعي من منطق المشاركة التي تضمنها التدابير التمييزية الإيجابية، إلى منطق المواطنة المتكافئة التي تجعل الكفاءة والاستحقاق أساسا لتولّي المسؤوليات. كما يقتضي ذلك تطوير النقاش العمومي، وتحريره من الأحكام المسبّقة، ومن سلطة التأويلات التراثية المغلقة التي تنشرها تيارات إيديولوجية دينية أجنبية عن المغرب، وإعادة بناء الوعي السياسي على أساس أنّ المساواة ليست تنازلا تمنحه الدولة للمرأة، وإنما حق أصيل من حقوق المواطنة.

فالمجتمع الذي ما زال يناقش أهلية المرأة للحكم والقيادة، بدل أن يناقش أهلية الأشخاص وبرامجهم وكفاءاتهم، لم يحسم بعد انتقاله من الثقافة الأبوية إلى ثقافة المواطنة الحديثة. ولذلك فإنّ معركة المرأة المغربية من أجل المشاركة السياسية، ليست معركة من أجل المقاعد والمناصب فقط، بل هي أيضا معركة من أجل تحديث العقل السياسي وتحرير المجال العمومي من التصورات التي تجعل الجنس معيارا لتوزيع الحقوق والسلطة والمسؤوليات.