من باريس إلى لندن، مروراً بروما وبروكسل وبرلين، توحّد الموقف الدولي بسرعة غير مسبوقة لمواجهة الهجمات والاعتداءات الإيرانية غير المبرّرة على دول الخليج. اذ انهالت الاتصالات السياسية والدبلوماسية العاجلة على العواصم الخليجية، حاملة رسالة واضحة تمامًا: نحن معكم، وجاهزون لدعم أمنكم والدفاع عن سيادتكم. هذا الحراك الدولي اللافت لم يكن مجرد تفاعل بروتوكولي تجاه أزمة إقليمية، بل كان بادرة وفاء وتقدير لعلاقات صداقة تاريخية متينة وشراكات استراتيجية نسجت بعناية مع الدول الخليجية على مر السنوات.
العالم يتسابق لدعم الإمارات
في هذا السياق، تلقّى رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وحده سلسلة اتصالات غير مسبوقة من قادة 36 دولة، حملت جميعها رسائل دعم وتضامن واضحة مع الإمارات، على خلفية التطورات المتسارعة في المنطقة. وجاءت هذه الاتصالات من قادة دول وازنة من مختلف القارات، في مشهد يعكس حجم الإجماع الدولي ووضوح الموقف حيال ما تتعرض له الإمارات ودول الخليج عموماً.
وخلال هذه الاتصالات، شدّد القادة على رفضهم التام للاعتداءات الإيرانية الجائرة، مؤكدين تضامنهم الكامل مع الإمارات ودعمهم لما تتخذه من تدابير وإجراءات مشروعة لحماية سيادتها وأمنها الوطني. وهو موقف يتجاوز لغة الإدانة التقليدية، ليؤسس لمرحلة جديدة في التعاطي الدولي مع أمن دول الخليج، باعتباره ركناً أساسياً من أركان الاستقرار العالمي، لا ساحة مفتوحة للتجاذبات السياسية أو تبادل الرسائل العسكرية.
تتجاوز دلالات هذا الإجماع الدولي حدود التضامن الظرفي، لتلامس جوهر النموذج الخليجي نفسه، بوصفه مثالاً للاستقرار والتنمية والانفتاح في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب. وقد أصبح هذا النموذج، وفي مقدمته النموذج الإماراتي، حالة مميزة على الساحة الإقليمية والدولية، مرادفاً للحياة والازدهار والتقدم بخطوات ثابتة نحو المستقبل. اليوم، تمثّل دول الخليج مثالاً حيّاً للدول الحديثة والناجحة، القادرة على التوفيق بين التنمية المستدامة، والاستقرار الأمني، والانفتاح الإيجابي على العالم.
ومن هذا المنطلق، فإن الدفاع عن أمن هذه الدول لا ينفصل عن الدفاع عن نموذج سياسي واقتصادي أثبت قدرته على الجمع بين الأمن والتنمية، وبين الانفتاح العالمي وحماية السيادة الوطنية. ويمكن قراءة هذا الاصطفاف الدولي على أنه حماية غير مباشرة لمنظومة من القيم والمصالح المشتركة، تشمل أمن الطاقة، واستقرار الأسواق العالمية، وسلامة الممرات البحرية، إلى جانب نموذج تنموي بات يشكّل ركيزة توازن في النظام الإقليمي.
"أمن الخليج يرتبط عضوياً باستقرار النظام الدولي"
هذا الاصطفاف الدولي لا يبدو مفاجئاً أو ظرفياً، إذ يؤكد عدد من منظّري العلاقات الدولية، وفي مقدمهم وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، أن أمن منطقة الخليج يرتبط عضوياً باستقرار النظام الدولي، نظرًا لموقعه المحوري في معادلات الطاقة وسلامة الممرات البحرية والتوازنات الإستراتيجية العالمية. وهو ما يفسّر سرعة وحجم التفاعل الدولي مع الاعتداءات الإيرانية، بوصفها تهديداً يتجاوز الإطار الإقليمي الضيق.
ويأتي هذا الموقف منسجماً مع الرؤية التي أرساها الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والتي تقوم على أن الاستقرار الحقيقي للدول لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بالحكمة والتنمية والانفتاح الإيجابي على العالم. وهي القيم ذاتها التي شكّلت جوهر النموذج الخليجي، وفي طليعته الإمارات، الذي يحظى اليوم بإعجاب ودعم دوليين واضحين.
عملياً، أثبتت الأيام الماضية أن دول الخليج قادرة على التصدي لهذه الاعتداءات بثقة وكفاءة، مستندة إلى استثمارات إستراتيجية متراكمة في مجال الدفاع الوطني، كان هدفها الأساسي حماية الأرض والسيادة، لا الانخراط في سياسات هجومية أو سباقات تسلّح. وقد برهنت التطورات الأخيرة مجددًا على نجاعة هذه الخيارات وصواب الرؤية الخليجية في بناء قدرات دفاعية رادعة ومسؤولة.
ومع ذلك، تدرك دول الخليج أنها ليست وحدها في هذه المواجهة، وأن أمنها لم يعد شأناً معزولاً. فإذا اقتضت الضرورة أي شكل من أشكال الدعم، فإن العالم الذي قال اليوم "نحن معكم" مستعد بكل صدق للوقوف إلى جانبها، دفاعاً عن استقرار المنطقة وحماية نموذج إقليمي ناجح، يرفض أن يُزعزع بسياسات التصعيد أو فرض الأمر الواقع بالقوة.
من يزرع المحبة يحصد الدعم: العالم يقف مع الخليج
جزء كبير من العالم يشعر بالحزن والتأثر وهو يرى مدناً نابضة بالحياة والأمل والسلام مثل دبي وأبوظبي والمنامة والدوحة والرياض والكويت ومسقط تتعرض لمحاولات التخريب والتشويه الممنهجة. الجميع يحمل ذكريات جميلة عن هذه المدن، سواء زاروها، عاشوا فيها، أو سمعوا عنها، ولن يقبلوا أن يستمر هذا الوضع لوقت أطول، وهم مستعدون للتدخل إذا استدعى الأمر.
في نهاية المطاف، يؤكد هذا الاصطفاف الدولي أن أمن دول الخليج لم يعد قضية إقليمية فقط، بل أصبح حجر الزاوية لاستقرار النظام الدولي بأسره. ومثلما يقول المثل: "من يزرع المحبة يحصد المحبة"، فقد زرعت دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات، قيم الحوار والسلام والتنمية، وحصدت اليوم محبة العالم ودعمه الصادق، ليس بالكلام وحده، بل بالأفعال التي تعكس احترام المجتمع الدولي لنموذجها الحضاري.
إن رسالة "نحن معكم" تتجاوز التضامن الرمزي، لتصبح صرخة عالمية في وجه كل محاولات التخريب والتهديد، ورسالة دعم لكل من يسعى للسلام والأمن في المنطقة. فحماية النموذج الخليجي اليوم لا تعني فقط حماية الحدود والسيادة، بل حماية قيم حضارية ورسائل أمل وإشعاع حضاري، تشع من مدن مثل دبي وأبوظبي والمنامة والدوحة والرياض والكويت ومسقط، لتذكّر العالم بأن من يبني بالحب والإيجابية ينال محبة العالم ودعمه ويحمي مستقبله بالعدل والأمان.
أيها الخليجيون، اعلموا جيداً أنكم لستم وحدكم، وأن العالم بأسره اليوم يلتف حولكم ويقول لكم بصوت واحد: "نحن معكم".. ليس بالكلام وحده، بل بالوفاء والفعل، ليؤكد أن قيم السلام والتنمية التي زرعتموها أصبحت إرثاً عالميًا يحتذى به.