لماذا يرفض الإسلام السياسي توحيد الخطبة؟

شاركنا:
المغرب يصر على قرار توحيد خطبة الجمعة (إكس)

يصر التيار الديني المسيّس بالمغرب على رفض قرار الدولة بـ"توحيد خطبة الجمعة"، في إطار الخطة التي وضعتها وزارة الشؤون الدينية المسماة "تسديد البليغ"، وهو موقف معلوم يستند إلى خلفيات فكرية وسياسية متشابكة يمكن إجمالها في العناصر التحليلية التالية:

  1.  أن منبر الجمعة كان تاريخياً وسيلة أساسية للتأثير في الجمهور، إذ يجمع حشدًا واسعاً وقت الصلاة، مما يشكل ما يشبه "مؤتمرا أسبوعيا" لمن لديه طموح للتأثير السياسي أو السعي إلى السيطرة. ولعل استئثار السلطة الدينية الرسمية بتحديد موضوع الخطبة وتوحيده يعني عمليا فقدان الإسلام السياسي ـ السلفي والإخواني ـ لإمكانية الهيمنة على منابر الجمعة باعتبارها أداة للتأثير السياسي، بينما تعمل الدولة على استعمال هذه المنابر في إطار الوعظ الديني المتعارف عليه، والداعي إلى مكارم الأخلاق والالتزام العقائدي والإخلاص لثوابت الدين ومبادئه الكبرى، الأمور التي يعتبرها الإسلام السياسي "غير محفزة" و"غير مثيرة للاهتمام" لأنها تنأى عن الأهداف السياسية التي يسعى إليها.
  2. ويمكن القول إن الدولة قد نجحت بالفعل ـ عبر توحيد الخطبة ـ في تقليص خطر الأئمة والخطباء المتشدّدين وتأثيرهم على المصلين بتمرير رسائلهم السياسية أو التعبئة لقضايا حزبية خاصة بهم، أو ـ وهذا هو الأسوأ ـ التهجّم على خصومهم الفكريين والسياسيين من منابر الجمعة مع اعتماد أسلوب التكفير والعنف اللفظي.
  3. أن الخطبة الموحدة التي تخلو غالبا من قضايا الصراع السياسي أو مواضيع التوترات الإقليمية والدولية تتعارض مع تصور الإسلاميين لوظيفة الإمام والمسجد عموما، فبينما تعتبر الدولة بأن المساجد هي أماكن عبادة لا غير، يعتبرها الإسلاميون فضاء حيويا لممارسة السياسة لأنهم لا يفصلون بين الدين والشأن العام، ولا يرون في الدين إلى مرجعية لممارسة الفعل السياسي والتأثير في المجتمع، ولهذا يركزون على فكرة "استقلال الإمام والخطيب"، والتي تعني في الواقع حريته في تناول القضايا التي تهمّ التيار الذي ينتمي إليه، والتي يقدمها غالبا على أنها القضايا التي تهم "الأمة الإسلامية"، هذا إذا سلمنا بأن الاستقلالية المعنية هنا مقصود بها استقلالية عن السلطة، لكنها ليست استقلالية عن التيارات الإيديولوجية المتصارعة في الساحة.
  4. وينطوي هذا الصراع على خلاف عميق حول مفهوم "الدعوة"، حيث تعتبر الدولة أن الدعوة إنما هي بالحُسنى من أجل قيم تعتبر بمثابة القيم العليا التي يدعو إليها الدين، والتي ترشد إلى صالح الأعمال في الدنيا، بينما يكتسي مفهوم "الدعوة" عند الإسلاميين طابعا سياسيا صرفا يهدف من خلال التأطير الديني إلى تجييش الجمهور من أجل هدف سياسي هو السيطرة على المؤسسات، وهذا ما جعلهم يعتبرون توحيد الخطبة "تجفيفاً للينبوع الدعوي" وتحويلاً للخطبة إلى رسالة إدارية لا حياة فيها.
  5. من جانب آخر يرفض الإسلاميون توحيد الخطبة لأنه لا يسمح بتناول قضايا سياسية يهتمون بها مثل القضية الفلسطينية ومثل الصراع الدولي، وينسون بأن هذه القضايا هي في الحقيقة قضايا خلافية إن أجمع الناس على بعض عمومياتها إلى أنهم يختلفون في جزئياتها، مما قد يؤدي في الغالب داخل المساجد إلى خلافات لا جدوى منها. فإذا كان "البعد الرسالي" للخطبة عند الدولة أخلاقيا وعقديا بالأساس فإنه عند الإسلاميين تنظيمي حركي وسياسي في المقام الأول.
  6. ولا يخفى من جانب آخر أن موضوع الدين عموما يرتبط بحقل الشرعية وبالتنازع على السلطة في المجال الثقافي الإسلامي على مر الأزمنة، ورغم دخول البلدان الإسلامية في مرحلة الدولة الحديثة، إلى أن ذلك التاريخ الطويل من الصراع الذي يخلط الديني بالسياسي ظل يلقي بظلاله على المرحلة الحالية كذلك، ويعد هذا العنصر من أكبر العوامل التي تؤدي إلى الصراع حول خطبة الجمعة. ولعل تميز المغرب بوجود مؤسسة إمارة المؤمنين تقلص من حظوظ التيار الديني في احتكار الفتوى أو الكلمة باسم الدين، كما تقلص من نفوذه في المجتمع.
  7. ومن الأمور الغريبة في هذا الصراع أن الإسلاميين يقدمون أنفسهم كمدافعين عن "حرية التعبير الديني"، وعن "الحق في الاختلاف"، عبر إظهار السلطة في حُلة من يقمع الرأي الديني الحرّ، بينما في الحقيقة يعتبر التيار الديني المتشدّد أكبر عرقلة في طريق إرساء حرية الفكر والتعبير عبر اعتماده العنف اللفظي والتهديد ضدّ مخالفيه عند إثارة أية قضية في النقاش العمومي، وهو من خلال رغبته في احتكار خطبة الجمعة إنما يهدف إلى ممارسة العنف الرمزي والاستقواء بسلاح التكفير على الخصوم السياسيين والإيديولوجيين.

(المشهد)