الإعلان عن التوصل إلى مذكرة تفاهم بين دمشق وموسكو تنظم الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية لم يكن حدثاً عادياً في تاريخ البلدين، بل كان بمثابة تغير كامل للوضع الجيوسياسي لسوريا التي انتقلت من التحالف مع روسيا أو ما كان يُسمى سابقاً بـ"المعسكر الاشتراكي" إلى حليف للغرب بقيادة الولايات المتحدة.
قبل البحث في بنود المذكرة ونتائجها المباشرة على الطرفين، لا بد من العودة إلى تاريخ العلاقات السورية الروسية التي تعود إلى أربعينيات القرن الماضي؛ حيث كانت موسكو من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال سوريا وأقامت معها علاقات دبلوماسية رسمية عام 1944.
شراكة إستراتيجية
لكن سرعان ما تحولت العلاقة بين الطرفين إلى شراكة إستراتيجية، فوجدت سوريا في الاتحاد السوفياتي داعماً سياسياً لها في مواجهة القوى الغربية الداعمة لإسرائيل، بينما رأت موسكو في سوريا تحقيقاً لحلم الوصول إلى المياه الدافئة التي كانت تشكل عقيدة إستراتيجية وجيوسياسية تراود القيادات الروسية منذ عهد القياصرة مثل بطرس الأكبر وكاترين الثانية وحتى قادة الاتحاد السوفياتي وروسيا في عهد فلايمير بوتين، ليتحقق الحلم بحصول البحرية السوفياتية على تسهيلات في ميناء طرطوس عام 1971، قبل أن تتعزز هذه الشراكة رسمياً بتوقيع معاهدة صداقة وتعاون في 8 أكتوبر 1980، وصولاً إلى التدخل العسكري المباشر في 30 سبتمبر 2015.
لكن مع تغير ظروف روسيا وتورط الجيش الروسي في وحول أوكرانيا في 24 فبراير 2022 وسعي الغرب لاستنزاف قوتها من خلال دعم كييف بالسلاح المتطور، تبين للروس عدم إمكانية استمرارهم في سوريا، وظهر هذا من خلال إقدام موسكو على تجميع قواتها في 3 قواعد هي القامشلي وحميميم وطرطوس، وبحسب معلومات مؤكدة فإن روسيا سحبت منظومات صواريخ "إس-300" والعديد من الطائرات الحربية إلى المعركة في أوكرانيا! ولنتذكر هنا أن روسيا توقفت عن دعم النظام عسكرياً منذ اتفاق 5 مارس 2020 مع تركيا أو ما سُمي بتفاهم بوتين - إردوغان.
التخبط الروسي في أوكرانيا والصمود الأوكراني غير المتوقع اعتماداً على الدعم الغربي جعل روسيا تبحث عن مخرج في سوريا حتى لو كان بتغيير النظام، لكن مع الحفاظ على مصالحها، وهو ما أكده الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني من التواصل مع موسكو خلال عملية "ردع العدوان" والزحف إلى دمشق؛ إذ أكدا التفاهم مع موسكو لوقف القصف الروسي وتحييد الجبهات التي تتواجد فيها القوات الروسية.
بعد سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024، لم تتأثر العلاقة السورية الروسية بالشكل الذي توقعه كثيرون، فالرئيس أحمد الشرع زار موسكو مرتين في أكتوبر 2025 وفي يناير 2026 والتقى الرئيس بوتين.
وأكد الطرفان على عمق العلاقات بين البلدين، لكن في الخفاء كانت هناك مفاوضات ماراثونية على مدار نحو عام ونصف، انتهت بإعلان التوصل إلى مذكرة تفاهم ترسم علاقة جديدة بين الطرفين تنهي عهد الهيمنة الأحادية الروسية على سوريا.
ما يمكن استنتاجه أن مذكرة التفاهم السورية الروسية الأخيرة التي أعلن عنها في 9 أغسطس الحالي بين الجانبين السوري والروسي أكدت الأمور التالية:
- الـ1: تراجع الدور الروسي في سوريا ومنطقة البحر المتوسط والشرق الأوسط عموماً.
- الـ2: نجاح الولايات المتحدة ودول الغرب في تحجيم الوجود الروسي في سوريا وحصره في قاعدتين بصفة تدريب دون أن يكون لروسيا الحق في شن عمليات قتالية من هاتين القاعدتين.
- الـ3: استعادة سوريا لسيادتها على هاتين القاعدتين اللتين كانتا تعتبران أرضاً روسية في المعاهدات السابقة التي وقعت في 2015 و2017 مع النظام السابق.
- الـ4: وصول روسيا إلى قناعة مفادها بأن وجودها في سوريا يحتاج إلى "نهج روسي جديد في سوريا" وأن موسكو لم تعد تتعامل مع الملف السوري بوصفه ورقة نفوذ روسية خالصة، بل كمجال إستراتيجي يجب الحفاظ عليه بأي صيغة حتى لو كان بصفة تدريب.
إذاً، مذكرة التفاهم بين موسكو ودمشق تفتح صفحة جديدة في العلاقات السورية - الروسية، وتمثل خطوة متقدمة في مسار السياسة السورية لما بعد سقوط الأسد، ما يُعيد للدولة السورية سيادتها على مرافقها الحيوية، مع الحفاظ على علاقاتها مع حليف قديم ولو بالحد الأدنى.
(المشهد)
