"إيران" على صفيح ساخن!

شاركنا:
طهران كانت تعوّل بشكل كبير على المفاوضات مع واشنطن (رويترز)

تقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم على مفترق بالغ الحساسية، وسط تصاعد غير مسبوق في الأحاديث السياسية والإعلامية عن ضربة أميركية وشيكة، قد تعيد خلط أوراق الإقليم بأكمله. فبين تسريبات استخباراتية، وتحركات عسكرية لافتة، وخطاب متوتر صادر عن عواصم القرار، تبدو المنطقة وكأنها تعيش على إيقاع ساعة عدٍّ تنازلي، حيث لم يعد السؤال المطروح: هل ستقع المواجهة؟ بل متى، وبأي شكل؟

في هذا المناخ المشحون، تجد طهران نفسها محاصرة بين ضغوط خارجية متصاعدة تقودها الولايات المتحدة الأميركية، وتحديات داخلية متراكمة، ما يجعل أي خطأ في الحسابات كفيلاً بإشعال مواجهة قد تتجاوز حدودها الجغرافية، وتضع الجمهورية الإسلامية فعلياً على صفيح ساخن.

مفاوضات تحت الضغط.. وواقعية غائبة

لا يخفى على أحد أن طهران كانت تعوّل بشكل كبير على المفاوضات مع واشنطن للتوصل إلى اتفاق جديد مع الإدارة الأميركية يبعد شبح الحرب عنها. إلا أن مرور جولتين من هذه المفاوضات من دون إحراز أيّ تقدم يُذكر عزّز، بشكل بديهي، ترجيح خيار القوة، أو على الأقل إبقاءه مطروحاً بجدية على الطاولة.

فهذه المفاوضات، على الرغم من أهميتها، تواجه عقبات عدة قد تجعل التوصل إلى اتفاق أمراً بعيد المنال، إن لم يكن من سابع المستحيلات. فإيران تدخل هذا المسار التفاوضي تحت ضغط أميركي واضح، وفي ظل جموح سياسي وأمني متزايد نحو المواجهة. وبدلاً من التعاطي مع المفاوضات من منطلق واقعية سياسية، تبدو طهران وكأنها تنظر إلى مجرد الدخول فيها على أنه تنازل بحد ذاته.

وفي الكواليس، تسود أجواء عامة توحي بأن إيران تحاول المناورة عبر تقسيم الملفات وفصلها عن بعضها البعض، في محاولة لتخفيف سقف الضغوط. كما تسعى بوضوح إلى كسب الوقت، خصوصا في ظل رفضها الحديث عن تقديم تنازلات جوهرية، سواء في الملف النووي، أو في ما يتعلق بالصواريخ الباليستية، أو بنفوذها الإقليمي.

في هذا السياق، تبدو إيران وكأنها تسير على حافة الهاوية، إذ تحاول الجمع بين خطاب التحدي في العلن، ومناورات التهدئة في الكواليس. غير أن هذه الازدواجية لم تعد تقنع واشنطن ولا حلفاءها، خصوصاً في ظل قناعة متناميّة داخل دوائر القرار الأميركي بأن طهران تستخدم المفاوضات كأداة لشراء الوقت، لا كمسار جديّ للوصول إلى تسوية شاملة.

واشنطن والخطوط الحمراء الصارمة

من جهة أخرى، لا تبدو الولايات المتحدة في وارد تقديم تنازلات مجانية، وخصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الأميركية، حيث يتحول الملف الإيراني إلى ورقة داخلية بامتياز. فالإدارة الأميركية تدرك أن أي ليونة مفرطة قد تُفسَّر على أنها ضعف، في وقت يتصاعد فيه خطاب الحزم داخل الكونغرس والمؤسسات الأمنية، الداعية إلى كبح إيران بالقوة إن اقتضى الأمر.

كما أن إدارة الرئيس دونالد ترامب لا يمكن أن تقبل، بأي حال من الأحوال، باتفاق جديد مع طهران على غرار اتفاق عام 2015 الذي خرجت منه واشنطن عام 2018. فاليوم تبدو الخطوط الحمراء الأميركية تجاه إيران صارمة إلى حد بعيد وغير قابلة للتفاوض: لا لامتلاك سلاح نووي، لا لأذرع إيرانية مسلحة في المنطقة، ولا لقدرات صاروخيّة باليستية تهدد أمن دول الإقليم، وعلى رأسها إسرائيل.

الدور الخليجي.. صمّام أمان إقليمي

عملياً، لا يمكن تجاهل أن العواصم الخليجية، وعلى رأسها أبو ظبي، لعبت دوراً محورياً في دفع الإدارة الأميركية نحو خيار المفاوضات مع الإيرانيين. فعلى الرغم من العلاقات المتذبذبة مع طهران، سعت الدول الخليجية، عبر قنوات دبلوماسية مباشرة وغير مباشرة، إلى احتواء التوتر، وتغليب منطق الاستقرار، وحماية أمن الإقليم من تداعيات مغامرات غير محسوبة.

والحقيقة الناصعة اليوم أنه لولا الجهود الخليجية لما كانت هناك مفاوضات قائمة أصلاً بين الإيرانيين والأميركيين. فقد منحت هذه العواصم الفرصة للحلول السياسية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يُبنى على منطق المواجهة الدائمة، بل على احترام السيادة، وعدم تصدير الأزمات، والالتزام بقواعد حسن الجوار. ويُحسب لهذه الدول أنها من القلائل الذين يعملون بجدية فعلية من أجل استقرار المنطقة، لا عبر الخطابات الرنانة، بل من خلال سياسات واقعية ومسؤولة.

ولا شك في أن المنطقة تعيش اليوم على وقع مشهد جديد تشكّل تدريجياً بعد أحداث السابع من أكتوبر، مشهد بُني على أنقاض ما كان يُعرف بمحور المقاومة، وذلك في أعقاب هزيمة حركة حماس في غزة، وتراجع "حزب الله" في لبنان، وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا.

الكرة في ملعب طهران

وعليه، بات على القادة الإيرانيين أن يدركوا جيداً أن ما بعد 7 أكتوبر ليس كما قبله، وأن المشهد الإقليمي الجديد يتطلب إما إيران جديدة، أو في الحد الأدنى سلوكاً إيرانياً جديداً، بعيداً كل البعد عما كان سائداً في السابق.

اليوم، تدرك القيادة الإيرانية أن خياراتها باتت محصورة بين خيارين لا ثالث لهما:

  • إما القبول بتسوية مؤلمة تتضمن تنازلات حقيقية في الملفات النووية والصاروخية والإقليمية، وهو خيار يصطدم بعقيدة النظام ومخاوفه من ارتدادات داخلية عميقة.
  • إما رفض هذه التسوية، والذهاب نحو التصعيد، ومحاولة فرض معادلة ردع جديدة، وحسم الصراع عسكرياً، وفق منطق القدرة على التحمل ومن يمتلك النفس الأطول في المواجهة.

يقول المثل الفرنسي إن أسوأ أنواع العمى هو ذاك الذي يرفض أن يرى. والجميع اليوم يرى بوضوح النية الأميركية في إحداث تغيير في إيران، سواء عبر المفاوضات أو عبر القوة المفرطة. وفي لحظات التحوّل الكبرى، لا تُعاقَب الدول على ما فعلته في الماضي، بل على عجزها عن التكيّف مع الواقع الجديد.

وعليه، تبقى الكرة اليوم في ملعب طهران.

فهل تختار إيران طريق الواقعية السياسية.. أم تواصل السير على صفيح ساخن حتى لحظة الانفجار؟