أثارت زيارة مدير وكالة المخابرات المركزية جون راتكليف إلى العاصمة الروسية موسكو، جدلا واسعا خصوصا في روسيا، على خلفية قِصر وقت الزيارة وسرّيتها، من دون معرفة ما جرى تحديدا خلال اجتماع امتد قرابة 7 ساعات.
سيناريوهات كثيرة خرجت من أوساط كثيرة، بعضها يتضمن شيئا من الواقع المنطقي، من بينها موقف راتكليف من الأزمة الأوكرانية ودعمه لكييف ضد موسكو بشكل واضح، لكنّ وصول شخصية بهذا الثقل منذ ما قبل الأزمة الأوكرانية بقليل في العام 2021، وتكرارها في هذا العام 2026، يشيران إلى أنّ ثمة سيناريوهات لا تحتمل التأجيل، وفي تركيب قطعها معا تضعنا أمام احتمالين: إما أنّ الأوضاع مقبلة على تهدئة، أو أنّ المرحلة المقبلة تتجه نحو التصعيد.
"الزر الأحمر" بيد واشنطن
واللافت في هذه الزيارة أنّ "الزر الأحمر" بيد واشنطن التي طلبت من كييف توقّف استهداف العاصمة موسكو حتى انتهاء الزيارة، وبصرف النظر عن ما إذا كان ذلك طلبا أو أمرا لكييف، لكنه في الحالتين تم تنفيذه، وهذا يقود إلى أنّ تحكّم الولايات المتحدة بأحد طرفي الحرب، يشير إلى أنها إن سعت إلى التهدئة ستكون مشروطة ولن تُقدم بالمجان، فماذا تملك روسيا من أوراق مفيدة لواشنطن؟
لعلّ أبرز ما في الأمر الورقة الإيرانية التي قد تساوم عليها الولايات المتحدة، إذ إنّ من المعروف أنّ اتفاقيات وعلاقات ثنائية قوية تجمع روسيا بإيران، وواشنطن تريد الحصول على انتصار متعدد المجالات، من بينها استمرار خنق طهران اقتصاديا، وهذا ما لا يمكن أن توافق عليه روسيا إذا لم تحصل بدورها على ضمانات، أقلها رفع العقوبات عنها، وهذا من جهة.
من جهة أخرى، يعتقد كثيرون أنّ العلاقات الأميركية-الروسية الثنائية في أسوأ حالاتها، ولكنّ هذا، لكثير من الأسباب، غير صحيح، من بينها العفو الرئاسي من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شخصيا عن الجندي السابق في البحرية الأميركية، روبرت غيلمان، المحتجز في روسيا على خلفية "ركل ضابط شرطة روسي"، وهو الموقف الذي وصفه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بـ"الإنساني"، إلى جانب عدم طلب موسكو أيّ مقابل إزاء هذا العفو، وهذا باعتراف أميركي أيضا.
النقطة الأبرز هي امتناع الولايات المتحدة عن التصويت ضد روسيا بتاريخ 24 أغسطس 2024 في الأمم المتحدة، على إدانة روسيا حول إطلاقها العملية العسكرية الخاصة ضد أوكرانيا، وهذا أمر يشير إلى أنّ واشنطن لا تريد قطع العلاقة مع روسيا، وستسعى للحصول على التهدئة بين الجانبين، لأنّ حرب الولايات المتحدة الاقتصادية ليست مع موسكو، بل هي مع الصين أولا وإضعاف الاقتصاد الأوروبي ثانيا، وهذا معروف، ولكن بالنظر إلى الحوادث الأمنية التي تتعرض لها دول البلطيق بالتحديد، وتوجيه أصابع الاتهام دائما إلى روسيا، بصرف النظر إن كان لها يد في ذلك أم لا، كما حدث مؤخرا في إستونيا، وإحراق مستودع لشركة تصنيع مركبات عسكرية غير مأهولة، أمر توجست منه أوروبا أو ما يمكن تسميته دول حلف الناتو، مع الإشارة إلى أنّ أكثر من دولة داخل الحلف على مقربة من الحدود الروسية، فضلا عن تحضيرات روسية لإجراء مناورات عسكرية على مقربة منها.
الطلبات الأميركية غير مقبولة
فقد تكون زيارة راتكليف قد حملت رسالة تحذير لموسكو بألّا تصعّد مع أوروبا، وبالتالي تخشى الولايات المتحدة من أن تختبر موسكو قدرات حلف شمال الأطلسي بعملية محدودة ضد إحدى الدول الأعضاء، خصوصا بعد أن تلقت واشنطن معلومات مفادها أنّ موسكو أجرت مناورات على عمليات التعبئة العسكرية العامة في مناطق إقليم كالينينغراد.
والاحتمال الأوسع أن تكون الزيارة محملة بطلب واضح، وهو منع موسكو من استهداف البنى التحتية الأوكرانية تمهيدا لمفاوضات تضع حدا للحرب الدائرة، ولكن الضربات بالأمس على كييف، من دون أدنى شك، تنفي هذا الاحتمال كليا، ما يجعل الزيارة مرهونة بالتسريبات التي ستخرج من الرئيس ترامب شخصيا خلال الأيام القليلة المقبلة، ما يجعل الغموض الذي يكتنف الزيارة مجرد تأجيل لكشف تفاصيلها، وربطها بإنجاز ما يكون ترامب عرّابه.
بالتالي، فإنّ هجوم موسكو على كييف بعد زيارة راتكليف، يؤكد أنّ الطلبات الأميركية غير مقبولة روسيا، وبالوقت نفسه أوصلت موسكو رسالتها بأنها على أتم الجاهزية، وإن كانت واشنطن تريد الحل فلدى روسيا 8 نقاط على الأقل هي شروط أساسية غير قابلة للمساومة، أبرزها عدم السماح بشكل مطلق لأوكرانيا بالانضمام إلى حلف الناتو.
