من باربي إلى أوبنهايمر: نظرة خاطفة على المستقبل

شاركنا:
أرقام قياسية في الأيام الأولى من عرض فيلمي "باربي" و"أوبنهايمر" في الولايات المتحدة (أ ف ب)

شهور طويلة مرت، تتابعت فيها التسريبات وتوالت الإعلانات عن الفيلم الجديد المنتظر للمخرج البريطاني المعروف كريستوفر نولان، بعنوان "Oppenheimer"، حيث يتناول فيه سيرة من اتفق الجميع على اعتباره الأب الشرعي والأوحد للقنبلة النووية، التي أُلقيت على هيروشيما وناغازاكي اليابانيّتين، وأنهت الحرب العالمية الثانية، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة في تاريخ البشرية، مع تسابق القوى العظمى على امتلاك سلاح تعلم أنه مفتاح ردعها وزناد دمارها في الآن ذاته. وما دمنا نعيش حاليا سياقا جديدا، عاد فيه الخطر النووي ليطلّ برأسه، توقّع الجميع أن يحفل الفيلم بالرسائل الداعية إلى بصيص من التعقل، في زمن الجنون الأشمل.

أسابيع طويلة مرت، وأنا أنتظر يوم 21 يوليو، فيما أسئلة كثيرة تراودني بشأن الفيلم الجديد. نولان معروف بأسلوبه الخاص، وفلسفته المميزة، وكتابته للسيناريو بنفسه، أعماله مختبر حقيقي للغموض، وتركز على دراسة مفهوم الزمن، وتقدّم إبهارا بصريا وتقنيا قد يطغى حتى على التمثيل نفسه، لذلك كان التحدي صعبا ومنتظرا في الآن نفسه: كيف سيحافظ نولان على تيمة التشويق والغموض التي ميزت أعماله السابقة، وهو يعتمد في هذا الفيلم على سيرة ذاتية، لشخص مشهور لدى الجميع، وأحداث يعرفها كل من عايش تلك الفترة أو قرأ عنها؟

أيام طويلة مرت، قرأت خلالها عن إضراب غير مسبوق، قاده كتّاب السيناريو في هوليوود، احتجاجا على تدنّي أجورهم، مع تراجع دور هوليوود، خصوصا بعد ضربة الوباء القاصمة، ودخول منصات البثّ على الخط، وتعبيرا أيضا عن خوفهم من سرقة الذكاء الاصطناعي لوظائفهم، ثم انضم الممثلون لهذا الإضراب، فباتت بعض مشاريع التصوير والمهرجانات السينمائية، مهددة بالإيقاف والإلغاء، فكان لكل الأسباب السابقة، بالإضافة إلى مشاكل تهم القاعات السينمائية، دور في تقديم مفاجئ لموعد العرض الأول لفيلم "Oppenheimer" في جميع أنحاء العالم، ليكون يوم الأربعاء 19 يوليو وليس21، كما لو أنّ مسار كل هذه الأحداث، قد تحالف مع رغبة نولان الدائمة في كسر أفق تصوّرنا بشأن الزمن!

وحلّ يوم العرض، ذهبت رفقة صديق (لا يقل عني هوسا بأفلام نولان وتقنيات السرد غير الخطي) لحجز تذكرة مشاهدة الفيلم في إحدى دور السينما بالعاصمة الرباط، فكانت صدمتنا مضاعفة: أدى تقديم موعد العرض، إلى تصادفه مع العرض الأول لفيلم آخر، له عشاقه ومحبّوه، "Barbie"، الذي يعيد تقديم حكاية الدمية الشهيرة في إطار "بشري"، تحاول من خلاله الدمية إثبات جدارتها في عالم البشر. فوجئنا بطوفان وردي اللون، لا بداية له ولا نهاية، جيش من المراهقات (وبعض المراهقين أيضا) ترتدين ملابس أو فساتين وردية، ويتسابقن لالتقاط صور سلفي أمام بوابات السينما وبوسترات الفيلم، ثم سمعنا عن احتجاجات لجمهور فيلمنا نحن، بسبب تقديم بعض حصص المشاهدة بالدبلجة الفرنسية، عوض اللغة الإنجليزية الأصلية، وساهم قدوم جماهير أخرى من الدار البيضاء (حيث أصرت إحدى دور السينما الشهيرة هناك على عرض الفيلم حصرا بالفرنسية) في زيادة الضغط وحجز كل تذاكر ذلك اليوم، فاضطررنا للانتظار حتى الغد لمشاهدة ما أبدعه نولان وفريقه في هذا الفيلم!

لن أتكلم عن تفاصيل الفيلم ورسائله، وهو ما قد أؤجله إلى مقال لاحق، فما يهمّني هنا أنّ مشاهدات هذا اليوم الغريب كانت كافية لاستخلاص ملاحظات عدة، أهمها أنّ جيل ما بعد الألفية (أو ما يُصطلح عليه بجيل زد) مختلف تماما عمّا اعتدنا عليه في الأجيال السابقة، التي لم تصادف نشأتها هذا الانفجار التكنولوجي المتسارع، هو جيل تفسّخت علاقته بالواقع، ولم يعد يؤمن سوى بالعالم الرقمي، ويخضع بسهولة لإغراءاته وتوجيهاته، خفيةً كانت أم معلنة، فكانت حملة إعلامية مدروسة بعناية (ورُصد لها ملايين الدولارات بكل تأكيد) واستغلال متقن لثقل ذاكرة الطفولة، وما تمثّله دمية باربي بالنسبة لأجيال حالية وأخرى مضت، بالإضافة إلى ما يمكن اعتبارها نظرة جديدة أكثر تقبّلا لقضايا النسوية والجندر (بما يسمح بتمرير كمّ هائل من الرسائل واضحة المعالم والأهداف) أسبابا كافية لتحقيق الفيلم إيرادات هائلة منذ يوم عرضه الأول (بغضّ النظر عن مستواه الفني)، أضف إلى ذلك أنّ حادثة رفض مشاهدة فيلم نولان بالفرنسية، تؤكد مرة أخرى أنّ قبضة الفرونكوفونية المحكمة، آخذة في التراخي بين أبناء هذا الجيل في المغرب، ممّن تشبّعوا بالقيم والفلسفة والثقافة وأسلوب العيش الأميركي، وبطبيعة الحال، لم يكن أمام دور السينما من خيار، سوى الرضوخ والتقليل، أو ربما حذف كل حصص العرض بالفرنسية، ما دامت الكلمة الأولى والأخيرة للربح المادي، أسمى غايات الرأسمالية، على الطريقة الأميركية. وما لنا سوى أن نتساءل -من باب الفضول- عن طبيعة المستقبل الذي سيقوده هذا الجيل، هل سيكون ورديًا أكثر من اللازم (مثل باربي) أم سوداويا أكثر من اللازم (مثل أوبنهايمر)، وكل هذا بطبيعة الحال، على الطريقة الأميركية!

(المشهد)