الصين والحضور من خلف الستار في الحرب الإيرانية - الأميركية

آخر تحديث:

شاركنا:
الصين تعرف جيدا أن الحرب على إيران باطنها بكين وظاهرها طهران (رويترز)

منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، والصين الحاضرة من خلف البحار وبقوة، وبصورة غير مباشرة من خلال مراقبة الحرب والتقنيات العسكرية المستعملة، وتحسب نتائجها الإستراتيجية والاقتصادية وتداعياتها عليها بدقة. فبكين لا تحسب الصراع من المنظور الإيراني أو الخليجي، بل يرتبط مباشرة بنموها ونفوذها ومستقبل النظام الدولي وطريق التجارة العالمي وأسعار الطاقة وانفلاش إلى حد ما النفوذ الأميركي في المنطقة والعالم.

فالصين وبطريقة مباشرة أو غير مباشرة تستفيد من نتائج الحرب على ما هي عليه، ولكنها في الوقت نفسه تخشى أن تتوسع وتخرج عن السيطرة. فهي تنظر إلى الحرب القائمة من منظار جيوسياسي أمني إستراتيجي عسكري اقتصادي بحت، فالحرب تستنزف قدرات العسكرية والأمنية والاقتصادية للولايات المتحدة، وتكشف الثغرات العسكرية والأمنية لأكبر قوة عسكرية في العالم، وتخفف الضغط الأميركي العسكري الاقتصادي عنها.

شراكة إستراتيجية إيرانية صينية

من جهة أخرى، تعتبر الصين أن إغلاق مضيق هرمز يشكل خطرا إستراتيجيا اقتصاديا مباشرا عليها؛ لأنها تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة من دول الخليج العربي وإيران. فمن أجل ضمان الحد الأدنى من التأثيرات السلبية عليها، عمدت الصين إلى اعتماد سياسة عدم الانخراط العسكري المباشر، ولكن العمل على دعم سياسي اقتصادي وحتى استخباراتي لإيران من أجل ضمان تراجع النفوذ الأميركي في أهم وأدق بقاع الأرض.

فالعلاقة الصينية الإيرانية لم تأت نتيجة الحرب القائمة على إيران، وإنما تطورت خلال الأعوام الأخيرة إلى شراكة إستراتيجية اقتصادية كبيرة، وذلك بسبب موقع إيران الإستراتيجي في صلب طريق الحرير الصيني، ما أتاح العمل على اتفاق طويل الأمد بين البلدين. فبكين ترى إيران على عكس ما تراه واشنطن، إذ إنها تعتبر طهران جزءا مهما لا بل صلة الوصل بين الصين وآسيا الوسطى ومدخل أساسي للخليج العربي والشرق الأوسط. اما إيران، فتعتبر الصين حليفا قويا وربما وحيد في ظل عالم متغير والأحادية القطبية تتقلص فربما تجد نفسها في المستقبل في خندق واحد ضد الهيمنة الأميركية في المنطقة والعالم.

على الرغم من تشابك المصالح، لا تنظر الصين لإيران، أقله اليوم، كحليف عسكري، وأعني هنا الحليف التقليدي. فبكين تسعى جاهدة للبقاء خارج المواجهة العسكرية المباشرة مع أميركا من أجل الدفاع عن طهران ونظامها العدائي في المنطقة وربما العالم. فربما تفشل الصين الاشتباك العسكري للدفاع عن مصالحها وأراضيها في جنوب آسيا وليس الدفاع عن حلفائها، وهذا ما يفسر حرص الصين على إبقاء العلاقة قوية مع إيران، ولكن من دون حلف عسكري ملزم.

تعرف الصين جيدا أن الحرب على إيران باطنها بكين وظاهرها طهران. وأن أحد أهم أسباب الحذر الصيني هو كونها أحد أهم مستوردي النفط في العالم والشرق الأوسط وتعتبر أحد أهم مصادرها للطاقة التي تحتاجها في نمو اقتصادها ودعم صناعتها. من هنا تعتبر إيران أن الحاجة إلى الصين كحاضنة اقتصادية وربما عسكرية ضرورية لبقاء نظامها.

لذلك ترى الصين في استمرار الحرب وإغلاق مضيق هرمز خطرا حقيقيا على أمنها الإستراتيجي أقله اقتصاديا، وهذا ما تعتبره خطرا حقيقيا على موقعها كقوة عالمية. فانخفاض عدد السفن العابرة للمضيق قد أثر بشكل مباشر وغير مباشر على الاقتصاد العالمي ككل والصيني تحديدا.

فالصين لم تكن يوما بعيدة عن هكذا سيناريو، وبدأت تستعد لهذا الواقع منذ سنوات عديدة. فقد عمدت الصين إلى بناء احتياطي نفطي إستراتيجي، ووسعت مصادر الطاقة وعملت على الاعتماد اكثر على روسيا وخطوط الأنابيب في آسيا الوسطى، وعملت تدريجيا على التحول نحو الطاقة النظيفة المتجددة والسيارات الكهربائية. وبغض النظر عن إيران، عملت الصين إلى بناء علاقات مميزة مع دول الخليج والتحول إلى حليف إستراتيجي.

أما واشنطن فلا تخفي وجهة نظرها باعتبار الصين جزءا من المعادلة، فالمسألة الأكثر حساسية لأميركا هو النفط الإيراني الذي يهرب إلى الصين. فعلى الرغم من العقوبات الأميركية على إيران، إلا أن الصين لا تزال جزءا من اقتصاد إيران من خلال مصافي النفط الصينية التي تعتبر جزءا أساسيا في عملية بيع النفط الإيراني رغم العقوبات الأميركية. لذلك، تدرس أميركا اليوم وبدقة عالية توسيع عقوباتها لتشمل شركات نفط صينية ومصافي صينية وربما مؤسسات صينية تتعامل بشكل مباشر أو غير مباشر مع النفط الإيراني. لذلك تعلم واشنطن أن هكذا خطوة وعلى أهميتها تشكل مخاطرة كبيرة؛ لأنها يمكن وبكل بساطة تحويل الحرب الأميركية الإيرانية إلى أزمة صينية أميركية.

من هنا، يعتبر موقف أميركا ضائعا، فواشنطن تستطيع الضغط وبقوة على إيران لكنها لا تستطيع تجاهل الصين ودورها. فالصين، من المنظور الجيوسياسي، لا تريد أن تنتصر إيران عسكريا، ولكن في الوقت ذاته لا تريد تغيير النظام في إيران، وتعمل على إبقائه دولة قوية. فإبقاء الوضع على حاله قد تراه بكين على المدى البعيد قادرا على منع أو توسيع الهيمنة الأميركية الكاملة على الشرق الأوسط، ولكن من دون انفجار الوضع أو انهيار إقليمي قد يطيح بالتجارة والطاقة.

الصين قوة بديلة ضامنة للاستقرار في المنطقة

فالصين تنظر إلى الشرق الأوسط كحديقة خلفية لها وجزء من مشروعها الاقتصادي الكبير الذي يربط الصين برا وبحرا مع دول هذه المنطقة مرورا في إيران. فالموقف الصيني واضح وعلني ومبني على الحل السياسي لا العسكري. فالصين ترى في هكذا حل وقفا للقتال، ولكن في الوقت نفسه لا تريد انتصارا عسكريا جديدا لأميركا في الشرق الأوسط يكرس هيمنتها. وهذا ما يدل إلى عدم تعاون الصين مع الـطلب الأميركي للمساعد في حل أزمة مضيق هرمز.

لقد ساهمت هذه الحرب بتخفيف الضغط العسكري في آسيا بحيث عملت أميركا إلى سحب بعض قدراتها العسكرية وحاملات طائراتها من مناطق عدة في العالم وتوجيهها نحو الشرق الأوسط، وهذا ما يطرح علامات استفهام حول قدرات أميركا العسكرية وخصوصا في تركيزها العسكري في المحيطين الهندي والهادئ في الوقت نفسه.

في النهاية، تُعتبر هذه الحرب بتداعيتها السياسية والأمنية والعسكرية وبظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية المصحوبة بالذكاء الاصطناعي من أشرس الحروب على الرغم من هدوئها نسبيا. فهذه الحرب قادرة على تغيير موازين القوة العالمية وإذا استمرّت طويلا قد تكون الصين أحد الرابحين الإستراتيجيين، ولكن بكلفة عالية.

فواشنطن تستنفذ قدراتها ومواردها العسكرية والمالية والسياسية ويؤكل من رصيدها العالمي والإقليمي وخصوصا مع بعض الخلافات. في المقابل، تعتبر الصين أنها قادرة على تقديم نفسها كقوة بديلة ضامنة للاستقرار في المنطقة وربما العالم وذلك بحكم علاقتها الجيدة مع كل من إيران ودول الخليج معا.

إلى ذلك، ترى الصين أن انفجار الوضع القائم سيؤدي إلى انهيار الاقتصاد العالمي وستكون تداعياته كارثية على المستويات كافة. لذلك تعتبر مصلحتها الحيوية والإستراتيجية في استنزاف النفوذ الأميركي ببطء، ولكن دون تدمير الاقتصاد العالمي الذي يعتمد عليها إلى حد كبير، لأن أي انهيار للاقتصاد العالمي سيدمر الكل دون استثناء، ويؤدي إلى فوضى عالمية حقيقية.

فالصين اليوم لا تخوض الحرب، ولكن تعتبر أحد أهم المؤثرين الفعليين في نتائجها وكيفية إدارتها. فهي لا ترسل الجنود، بل تراقب وتوسع تجارتها، وتقدم نفسها كبديل، وتخزن النفط، وتبني العلاقات وفي الوقت نفسه تترك الولايات المتحدة تتحمل أعباء الحرب وكلفة المواجهة العالية.

إن هذه الحرب هي اختبار حقيقي على من يقود النظام العالمي، ومن يفرض هيمنته على الشرق الأوسط والعالم. فإذا خرجت أميركا منهكة من الحرب والصين أكثر صلابة وحضورا دبلوماسيا واقتصاديا وحتى سياسيا وعسكريا قد نكون أمام أول تشكيل جديد للنظام العالمي منذ انتهاء الحرب الباردة.